كشف تحقيق مطول نشرته مجلة “ذي نيويوركر” للصحفي ديفيد دي. كيركباتريك عن كواليس إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن خلال الحرب على غزة، مستندا إلى وثائق وشهادات لمسؤولين سابقين، خلصت إلى أن عددا منهم بات يعتقد أن واشنطن أخفقت في ممارسة الضغط الكافي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأمر الذي سمح بتوسع الصراع وتداعياته الإقليمية.

ويعرض التحقيق صورة لإدارة كانت تدرك مخاطر المسار الذي تتخذه الحرب، لكنها فضلت الإبقاء على دعمها للاحتلال الإسرائيلي، خشية انهيار التحالف معها أو انزلاق المنطقة إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

رسالة تحذير إلى بايدن

ويستهل التحقيق بالإشارة إلى رسالة بعثت بها رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميريانا سبولياريتش، إلى بايدن في 5 مارس 2024، حذرت فيها من أن طريقة إدارة “إسرائيل” للحرب لا تنسجم مع قواعد القانون الدولي الإنساني.

وأكدت الرسالة أن “إن الطريقة التي تدير بها إسرائيل الأعمال العدائية لا تتوافق مع قوانين النزاعات المسلحة”، مشيرة إلى ضرورة حماية المدنيين، وضمان الوصول إلى المرافق الطبية، واحترام حقوق المعتقلين والشهداء.

كما دعت سبولياريتش الإدارة الأمريكية إلى وقف تزويد “إسرائيل” بالأسلحة التي يمكن استخدامها في المناطق المكتظة بالسكان، محذرة من أن تجاهل الحد الأدنى من المعايير الإنسانية سيشكل “هزيمة أخلاقية” لن تنساها الأجيال المقبلة.

منع الصليب الأحمر

وبحسب التحقيق، فإن “إسرائيل” منعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لأول مرة في تاريخها، من زيارة المعتقلين الفلسطينيين بعد هجمات السابع من أكتوبر، في خطوة اعتبرها التقرير سابقة غير معهودة.

ويشير الكاتب إلى أن هذا المنع جاء رغم استمرار اللجنة في الضغط على حركة حماس لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، وسعيها في الوقت نفسه إلى تحسين أوضاع المعتقلين الفلسطينيين.

إيران في قلب حسابات بايدن

ويكشف التحقيق أن هاجس المواجهة مع إيران كان أحد أبرز العوامل التي حكمت سياسة إدارة بايدن.

فبحسب مسؤولين سابقين، كان الرئيس الأمريكي يخشى أن يؤدي أي خلاف علني مع “إسرائيل” إلى تشجيع طهران أو حلفائها، وخاصة حزب الله، على توسيع دائرة الحرب، وهو ما قد يفرض تدخلا عسكريا أمريكيا مباشرا.

وفي هذا السياق، دافع منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط بريت ماكغيرك عن استمرار الدعم القوي للاحتلال الإسرائيلي باعتباره وسيلة لاحتواء إيران وردعها.

“خطر أخلاقي”

لكن التحقيق ينقل عن فيليب غوردون، مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، أن هذا الدعم غير المشروط خلق ما وصفه بـ“الخطر الأخلاقي”، إذ منح نتنياهو مساحة أوسع للمضي في خيارات عسكرية أكثر تصعيداً، وهو مطمئن إلى استمرار الحماية الأمريكية.

ويشير التحقيق إلى أن الاحتلال الإسرائيلي نفذ خلال عام 2024 سلسلة عمليات ضد أهداف إيرانية وقيادات في حزب الله وحماس، دون إخطار واشنطن مسبقا في كثير من الأحيان، ما وضع الإدارة الأمريكية أمام أمر واقع وأجبرها على الدفاع عن الكيان الصهيوني بعد كل تصعيد.

نتنياهو تجاهل تحذيرات واشنطن

ويؤكد التحقيق أن بايدن ومستشاريه طالبوا نتنياهو مرارا، في اجتماعات مغلقة، بتجنب توسيع المواجهة مع إيران، إلا أن الحكومة الإسرائيلية مضت في تنفيذ عمليات اعتبرها مسؤولون أمريكيون استفزازية.

ونقل التحقيق عن مسؤول سابق في البيت الأبيض وصفه لبعض تلك الخطوات بأنها “إهانة” مباشرة للرئيس الأمريكي، خصوصا بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، رغم دعوات أمريكية وأوروبية متزامنة لوقف إطلاق النار.

نقاشات حول وقف السلاح

ومن أبرز ما يكشفه التحقيق أن البيت الأبيض ناقش أكثر من مرة خيار تعليق شحنات الأسلحة إلى “إسرائيل”.

وقال مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان: “داخل المكتب البيضاوي، طرحنا أكثر من مرة خيارات حجب الأسلحة وناقشناها”، إلا أن الإدارة لم تمضِ في هذا الاتجاه، باستثناء تعليق شحنة واحدة من القنابل.

وأضاف: “عندما ننظر إلى الأمر بموضوعية، يسهل إدراك فخ هذا النوع من التفكير”، قبل أن يقر قائلاً: “سأقولها بصراحة، كان ينبغي علينا ممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل لاتباع نهج مختلف”.

خلافات حول المساعدات

ويتطرق التحقيق أيضا إلى خلافات مبكرة بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة.

فبحسب الرواية التي ينقلها الكاتب، رفض نتنياهو في البداية السماح بمرور المساعدات، قبل أن يوافق على إدخال كميات محدودة عبر معبر رفح بعد تهديد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك أنتوني بلينكن بإلغاء زيارة بايدن إلى تل أبيب.

ورغم ذلك، عاد نتنياهو لاحقا ليعلن رفضه إدخال المساعدات من الأراضي التي تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي، في موقف اعتبره التحقيق تحديا مباشرا للإدارة الأمريكية.

أهداف الحرب

ويكشف التحقيق أن مسؤولين أمريكيين حاولوا مرارا معرفة الأهداف النهائية للحرب، لكن نتنياهو تمسك بشعار “النصر الشامل”، في حين كانت إدارة بايدن تدفع نحو تصور مختلف لمرحلة ما بعد الحرب، يشمل دورا للسلطة الفلسطينية.

إلا أن الحكومة الإسرائيلية رفضت هذه الرؤية، ولوحت بإبقاء سيطرتها العسكرية على قطاع غزة، بالتوازي مع عمليات إجلاء واسعة للسكان أثارت انتقادات دولية.

مراجعة متأخرة

وينقل التحقيق شعورا واضحا بالندم لدى عدد من كبار مسؤولي إدارة بايدن.

وقال وزير الخارجية السابق أنتوني بلينكن: “كيف لا يشعر المرء بالندم في ظل الخسائر الفادحة التي لحقت بالأبرياء من رجال ونساء وأطفال؟”، قبل أن يضيف مقتبسا من بايدن: “شككوا في أحكامي، لا في دوافعي”.

أما جيك سوليفان فأكد أنه أمضى “ليالي طويلة” يفكر في الخيارات التي كان يمكن للولايات المتحدة أن تتخذها بصورة مختلفة.

ويخلص التحقيق إلى أن الإدارة الأمريكية، رغم إدراكها المبكر لمخاطر الحرب، لم تتمكن من فرض قيود حقيقية على السياسات الإسرائيلية، وهو ما أسهم، بحسب شهادات المسؤولين الذين تحدثوا للمجلة، في إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها، وصولا إلى المواجهة مع إيران.