حذّر السفير الجزائري السابق عمار بلاني من تمدد النفوذ الإماراتي في الساحل والقرن الإفريقي، متهماً أبوظبي باتباع سياسة تقوم على استغلال الانقسامات ودعم قوى محلية بما يخدم مصالحها الإقليمية.

وفي مقال موسع نشره على حساباته بمواقع التواصل، وصف بلاني الإمارات بأنها “دولةٌ مُشعِلةٌ للحرائق ومُفترسةٌ تزدهر على الفوضى”، منتقداً مساعيها لبناء قوة إقليمية عبر الاستثمار ونسج شبكات النفوذ وامتلاك قدرات عسكرية مستقلة.

وأوضح أن الإمارات تعوّض ضعفها الديمغرافي بثروة مالية كبيرة، وبنى تحتية متطورة، وشبكات نفوذ واسعة، إلى جانب صناعة دفاعية آخذة في التوسع.

واعتبر بلاني أن منهج أبوظبي يمكن اختصاره في الاستثمار، ونسج شبكات محلية موالية، وامتلاك قدرات عسكرية مستقلة، معتبراً أن هذا المزيج يمنحها ثقلاً لا يتناسب مع حجمها الفعلي.

ورأى أن هذا النهج يقوم على تناقض جوهري، إذ إن ازدهار أبوظبي يقتضي، وفق قراءته، مضاعفة تدخلاتها والاعتماد على دول هشة وقوى محلية وميليشيات وشبكات اقتصادية أو مسلحة، بما يؤدي إلى تقويض المؤسسات المركزية للدول المعنية.

الساحل.. عمق استراتيجي للجزائر

في منطقة الساحل، قال بلاني إن أبوظبي، بالتنسيق مع شركائها الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم “إسرائيل” والمغرب، تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي والمالي في عدد من دول تحالف دول الساحل وبناء شبكات جديدة هناك.

وأشار إلى أن الرهان الإماراتي لا يقتصر على الاستثمارات، بل يشمل أيضاً البنى التحتية والشبكات التجارية والمالية.

واعتبر أن هذا التغلغل يتم في فضاء يشكّل العمق الاستراتيجي الطبيعي للجزائر، معتبراً إياه انعكاساً لإرادة متعمّدة وغير ودّية للحد من قدرة الجزائر على الدفاع عن مصالحها في محيطها الجنوبي.

وأضاف أن دبي تحولت إلى محور لتجارة الذهب الإفريقي، قائلاً إن جزءاً كبيراً من إنتاج الذهب في منطقة الساحل يسلك قنوات غير رسمية قبل وصوله إلى الأسواق الإماراتية.

واعتبر أن هذه التدفقات، التي تفلت من رقابة الدول المنتجة، تغذي اقتصادات موازية وشبكات إجرامية تدور في فلك النزاعات.

اليمن.. سياسة تقوم على القوى المحلية

في اليمن، رأى بلاني أن الوضع يقدم مثالاً كاملاً على ما وصفها بالسياسة الانتهازية والمفترسة.

وأشار إلى أن الإمارات تدخلت عام 2015 إلى جانب السعودية ضد الحوثيين، قبل أن تبني شبكتها الخاصة من القوى المحلية في الجنوب.

وقال إن المجلس الانتقالي الجنوبي يواصل، بإيعاز من أبوظبي، مساعيه الانفصالية، معتبراً أن الشريك المفترض أن يساعد في إعادة بناء الدولة اليمنية يسلّح قوة هدفها التعجيل بتفككها.

السودان.. “استراتيجية الشر

اتهم بلاني الإمارات باتباع السياسة ذاتها في السودان، حيث قال إنها تدعم القوى المنشقة والنزعات الانفصالية بهدف السيطرة على موارد الذهب في دارفور.

وأضاف أن هذه استراتيجية الشر تفرز في السودان أخطر آثارها وأكثرها مأساوية، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي دقلو تحظى، وفق قوله، بدعم إماراتي واسع منذ اندلاع الحرب.

ولفت إلى أن أبوظبي تنفي ذلك، لكنه قال إن عدة تحقيقات دولية أكدت وجود معدات عسكرية من أصل إماراتي.

واعتبر أن السودان يمثل الحالة الأكثر دلالة على ما وصفها بسياسة نفوذ إجرامية تعمل عبر فاعلين محليين، وتساهم في تأجيج النزاع وإدامة الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب ضد المدنيين.

ليبيا.. دعم لحفتر وتقويض المؤسسات

في ليبيا، قال بلاني إن المنطق ذاته ينطبق على الدعم الإماراتي منذ سنوات لخليفة حفتر، إلى جانب مصر، في معركتهما ضد جماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية.

واعتبر أن هذا الدعم رسّخ قوة عسكرية منافسة للحكومة المعترف بها دولياً، مشيراً إلى أن تقارير الأمم المتحدة وثّقت انتهاكات عديدة لحظر توريد الأسلحة تورّطت فيها الإمارات.

كما أشار إلى تحول جنوب ليبيا إلى منطقة عبور للشبكات الرابطة بين محيط حفتر وقوات الدعم السريع السودانية، معتبراً أن ذلك يكمل، وفق قراءته، حلقة النفوذ الإقليمي.

وتطرق أيضا السفير الجزائري السابق إلى تونس، معتبراً أنها شكلت “مسرحاً لمساعٍ نفوذّية إماراتية جرى تحييدها لاحقاً”.

وقال إن أبوظبي عارضت منذ ثورة 2011 الحركات الإسلامية التي تُعتبر قريبة من المحور التركي القطري، وسعت إلى إقامة شبكات دائمة لترسيخ سياسة نفوذ سياسي ومالي ودبلوماسي.

وأضاف أن المنهج هنا أيضاً يقوم على الرهان على شركاء محليين مستعدين لخدمة المصالح الإماراتية، ولو على حساب زعزعة التوازنات المؤسساتية للبلاد.

القرن الإفريقي.. موانئ ومطارات ونقاط ارتكاز

اعتبر بلاني أن القرن الإفريقي يوجد أيضاً في صميم استراتيجية النفوذ الإماراتية، مشيراً إلى أن أبوظبي طورت شبكة من الموانئ والمطارات ونقاط الارتكاز حول البحر الأحمر وخليج عدن.

وذكر مواقع بربرة وسقطرى وميون وعصب، من بين أخرى، باعتبارها تؤمّن للإمارات مواضع على طرق ملاحية أساسية.

وأشار إلى أن بعض هذه المنشآت، رغم تقديمها كمرافق تجارية، تحمل بعداً عسكرياً أو مزدوج الاستخدام.

كما انتقد الدعم المقدّم لأرض الصومال، معتبراً أن تقوية فاعل غير شرعي، وفق وصفه، تعكس تفضيل أبوظبي لشريك قادر على خدمة مصالحها، حتى لو كان ذلك على حساب إضعاف وتقويض سلطة الدولة الصومالية.

وقال إن ميناء بربرة في أرض الصومال يشكل نقطة ارتكاز مهمة للإمارات في خليج عدن، مضيفاً أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال عزز التقارب بين نظامي أبوظبي وتل أبيب، وزاد من حدة التنافس مع تركيا ومصر الداعمتين لوحدة الصومال.

الاستثمار والموانئ.. أدوات نفوذ

تطرق بلاني إلى استثمارات موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي، معتبراً أنها تستجيب لمصالح تجارية، لكنها تمنح الإمارات أيضاً وصولاً متميزاً إلى بنى تحتية استراتيجية.

ورأى أن هذه الاستثمارات يمكن أن تخلق تبعيات اقتصادية قابلة لاحقاً لخدمة النفوذ السياسي والأمني الإماراتي.

وربط ذلك بصعود القوة العسكرية للبلاد، مشيراً إلى تأسيس مجموعة إيدج الصناعية الدفاعية عام 2019، معتبراً أن الخطوة تعكس إرادة أبوظبي في تقليص اعتمادها على الموردين الأجانب.

وأوضح أن المجموعة تمتلك، وفق ما أورده، قدرات لإنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ والمركبات المدرعة والسفن والأنظمة الإلكترونية، معتبراً أن هذا الاستقلال يوسع هامش المناورة الإماراتية ويسهّل دعم شركائها الخارجيين.

كما أشار إلى أن التطبيع مع “إسرائيل” بعد اتفاقيات أبراهام أفاد الإمارات، لا سيما من خلال نقل التكنولوجيا، مضيفاً أن إسرائيل نشرت منظومة اعتراضية مضادة للصواريخ على الأراضي الإماراتية.

السعودية والإمارات.. صراع على النفوذ

انتقل بلاني إلى التنافس السعودي الإماراتي، معتبراً أنه لم يعد مقتصراً على العلاقات الشخصية بين قادتهما، بل بات يعكس تصوّرين متباينين للقوة الإقليمية.

وقال إن أبوظبي تريد أن تبقى المنصة المالية والتجارية واللوجستية الكبرى للمنطقة، فيما تسعى الرياض، عبر رؤية 2030، إلى جعل السعودية مركزها الاقتصادي الرئيسي.

واعتبر أن المنافسة الاقتصادية تتقاطع مع التنافس الجيوسياسي، مشيراً إلى أن اليمن والسودان والقرن الإفريقي أصبحت مسارحه الرئيسية.

ميثاق مكة”.. إعادة تموضع إقليمي

رأى بلاني أن التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان حول ميثاق مكة يمكن تفسيره جزئياً بهذا السياق.

وأوضح أنه رغم أن الميثاق يهدف رسمياً إلى تعزيز الأمن الجماعي، فإنه يمنح الرياض، وفق قراءته، وسائل جديدة لتخفيف اعتمادها على واشنطن واحتواء الاستقلالية المتنامية لأبوظبي.

وأشار إلى مساهمة تركيا بصناعتها الدفاعية وخبرتها العسكرية، وباكستان بقدرتها العسكرية وبعدها النووي، بينما تساهم السعودية بمواردها المالية وثقلها السياسي.

السودان.. ساحة لمواجهة غير مباشرة

من الجانب التركي، قال بلاني إن التقارب مع الرياض وإسلام آباد لا يُختزل في تحالف ظرفي، معتبراً أن أنقرة ترى فيه بوادر بنية أمنية إقليمية حقيقية قائمة على الثقة والتضامن واحترام سيادة الدول.

ورأى أن السودان قد يصبح أول ساحة لتطبيق هذه البنية الناشئة، مشيراً إلى دعم تركيا للجيش السوداني، واقتراب الرياض منه تدريجياً، إلى جانب الدعم المادي الذي قال إن باكستان قدمته له.

في المقابل، أشار إلى بقاء قوات الدعم السريع مرتبطة بشبكة الدعم المنسوبة إلى الإمارات، معتبراً أن التنافس بين الرياض وأبوظبي يتخذ بذلك شكل مواجهة غير مباشرة تُدار عبر وكلاء.

أما مصر، فقال بلاني إنها تسعى إلى الحفاظ على هامش حركتها، معتبراً أن ترابطها الاقتصادي مع الإمارات وحجم المساعدات المالية التي تتلقاها منها يدفعانها إلى تجنّب أي اصطفاف كامل.

وفي المقابل، أشار إلى رغبة تركيا في توسيع هذه البنية لتحويل قوتها العسكرية والصناعية إلى نفوذ سياسي واستراتيجي، امتداداً لحضورها في الشرق الأوسط والمتوسط وإفريقيا.

وخلص بلاني إلى أن إعادة التموضع الإقليمي لا ترسم بعدُ جبهة موحدة ضد الإمارات، لكنها تعكس، وفق تقديره، اعتراضاً متنامياً على نموذج القوة الذي طوّرته أبوظبي، والذي قال إنه يزدهر باستغلال الانقسامات الإقليمية ويساهم، عبر تدخلاته المتعددة، في تعميقها.