سلّط تحقيق استقصائي لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية الضوء على شبكة عابرة للحدود لتجنيد ونقل وتدريب مقاتلين أجانب وإرسالهم إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، كاشفًا مسارات تمتد من كولومبيا إلى الإمارات، ثم الصومال وليبيا وصولًا إلى دارفور.

ويستند التحقيق إلى شهادات مقاتلين وسجلات سفر وبيانات رقمية وصور ومواد من المصادر المفتوحة، لتتبع شبكة تضم مسارات جوية وبرية ومراكز تدريب وإمداد، في وقت يتزايد فيه الدور الإقليمي والدولي في الحرب السودانية.

نفوذ إماراتي يتجاوز الاقتصاد

تناول تقرير فايننشال تايمز “The UAE’s imperial push into Africa بصورة أوسع تنامي الحضور الإماراتي في القارة.

ووفق التقرير، تستثمر الإمارات بكثافة في الأراضي والموانئ والنفوذ عبر إفريقيا، بينما تتشابك أهدافها التجارية والاستراتيجية مع سعيها إلى تأمين الموارد والأسواق ومصالحها في مرحلة ما بعد النفط.

وتقول الصحيفة إن الإمارات، تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وسعت استثماراتها ونفوذها ومعداتها العسكرية في أنحاء القارة بوتيرة سريعة، في محاولة لتوظيف التجارة والموارد لخدمة مستقبلها الاقتصادي والاستراتيجي.

الذهب في قلب النفوذ

من أبرز الملفات التي يتناولها التقرير قضية الذهب السوداني، إذ وصف عملية نهب وقعت في الأيام الأولى للحرب، في أفريل 2023، بأنها كانت واحدة من أكبر عمليات نهب الذهب في تاريخ العالم.

ووفق التقرير، استولت قوات شبه عسكرية على مصفاة الذهب المملوكة للدولة في الخرطوم واقتحمت البنك المركزي، حيث سُرق ما لا يقل عن 1.5 طن من سبائك الذهب، بلغت قيمتها في ذلك الوقت نحو 100 مليون دولار، إلى جانب مجوهرات من صناديق أمانات في بنوك تجارية.

ونقلت فايننشال تايمز عن شاهد، أكدت روايته ثلاثة مصادر أخرى مطلعة على العملية، أن قوات الدعم السريع نقلت الذهب عبر الحدود، بما في ذلك إلى تشاد وجنوب السودان، بينما تنفي قوات الدعم السريع تورطها، وتشير الصحيفة إلى أن تفاصيل عملية السرقة محل خلاف.

لكن التقرير يشير إلى أن وجهة جزء كبير من الذهب بعد ذلك كانت أكثر وضوحًا، إذ جرى نقله من المطار الدولي في عاصمة جنوب السودان على متن طائرات متجهة إلى الإمارات.

ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع على العملية قوله إن الإماراتيين كانوا يرسلون طائرات شحن، مدنية أحيانًا وعسكرية أحيانًا أخرى، لنقل الذهب.

من الذهب إلى الموانئ والموارد

يربط التقرير ملف الذهب بالدور الأوسع الذي باتت الإمارات تلعبه في إفريقيا، باعتبارها مركزًا ماليًا وتجاريًا مهمًا للثروات الإفريقية، إلى جانب توسعها في الموانئ والأراضي الزراعية والتعدين والطاقة.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن شركات إماراتية أصبحت حاضرة في تشغيل أو تطوير موانئ ومحطات ومناطق حرة في عدد من الدول الإفريقية، في وقت تجاوزت فيه الاستثمارات الإماراتية المعلنة في القارة عشرات المليارات من الدولارات.

كما يستشهد التقرير بتقديرات منظمة سويس إيد (Swissaid)، التي تفيد بأن نحو 30 مليار دولار من الذهب الحرفي الإفريقي يُصدّر سنويًا إلى دبي دون التصريح به.

شبكة تصل إلى السودان

في الجانب الأكثر حساسية، يكشف التحقيق عن شبكة لتجنيد ونقل مقاتلين أجانب إلى السودان، حيث تشير الأدلة التي جمعتها الصحيفة إلى مسارات تبدأ من كولومبيا، مرورًا بالإمارات وبوصاصو في شمال الصومال والكفرة في ليبيا، ثم نيالا والفاشر في دارفور.

وبحسب ما أوردته صحيفة الخبر نقلاً عن فايننشال تايمز، وصلت الدفعة الأولى من المقاتلين الكولومبيين إلى السودان في أكتوبر 2024، وكانت مهمتها إنشاء ممر لوجستي للإمدادات عبر شرق ليبيا باتجاه دارفور.

وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى أن آلاف الكولومبيين جرى تجنيدهم وإرسالهم إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، بينهم عناصر يمتلكون خبرة عسكرية وقتالية سابقة.

وأكد عدد من المجندين الذين نُقلوا إلى السودان، وفق ما أوردته الخبر نقلاً عن فايننشال تايمز، أن شركة الأمن الخاصة Global Security Services Group (GSSG)، ومقرها الإمارات، تولت عمليات نقلهم وتشغيلهم.

وتصف الشركة نفسها بأنها مزود لخدمات الأمن الخاصة المسلحة للحكومة الإماراتية، كما سبق أن أدرجت الديوان الرئاسي ووزارتي الخارجية والداخلية ضمن الجهات التي تعاملت معها.

وبحسب التحقيق الذي نقلته الخبر، تأسست الشركة عام 2016 على يد أحمد محمد الحميري، الأمين العام للديوان الرئاسي الإماراتي، فيما لم ترد الشركة أو الحميري على طلبات التعليق التي وجهتها إليهما فايننشال تايمز.

تدريب داخل الإمارات

بحسب المصدر ذاته، تلقى نحو 300 متخصص تدريبًا سريًا داخل الإمارات بين جانفي وأكتوبر 2025 على تشغيل الطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للطائرات.

وحدد مقاتلون قاعدة غياثي في الإمارات باعتبارها موقعًا للتدريب، وقالوا إن مدربين من شركة GSSG وإماراتيين يرتدون الزي العسكري أشرفوا على تقسيمهم إلى وحدات متخصصة في المسيّرات والدفاع الجوي والرادار.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة وصفت غياثي عام 2021 بأنها معسكر عسكري استُخدم سابقًا لتدريب مرتزقة تعاقدت معهم شركة Black Shield الإماراتية، تحت إشراف ضباط إماراتيين.

مسار يمتد من الإمارات إلى الفاشر

أفاد التحقيق البريطاني بأن الدفعة الثانية من المرتزقة نُقلت عبر قاعدة ممولة إماراتيًا في بوصاصو، شمال الصومال، قبل توزيعها على معسكرات صحراوية.

ووصف أحد المقاتلين بوصاصو بأنها مركز لإرسال المرتزقة إلى السودان ومناطق صراع أخرى في إفريقيا، مشيرًا إلى أنه شاهد مقاتلين من جنسيات مختلفة، بينها كولومبيا وبيرو وجنوب إفريقيا والمكسيك وغواتيمالا.

كما أشار التحقيق إلى استخدام قاعدة بوصاصو في عمليات مرتبطة بالمقاتلين، فيما تحدث أحد المصادر عن تخزين جثث بعض المرتزقة هناك.

بيانات رقمية ترصد الشبكة

استند التحقيق كذلك إلى تحليل بيانات تتبع الهواتف أجرته Conflict Insights Group، وهي مؤسسة بحثية مقرها الولايات المتحدة ومتخصصة في تحليل معلومات المصادر المفتوحة.

ورصد التحليل تدفقًا للأجهزة على مسار يبدأ من الإمارات ويمر ببوصاصو والكفرة ونيالا وينتهي في الفاشر.

وقال جاستن لينش، رئيس المجموعة، إن التحليل الرقمي يربط بين معسكر التدريب في أبوظبي ومناطق شهدت مقابر جماعية في الفاشر.

تقاطع مع هيومن رايتس ووتش

تتقاطع هذه المعطيات مع دراسة لـهيومن رايتس ووتش، حددت قاعدتين إماراتيتين ظهرتا في منشورات مرتبطة بالمقاتلين على مواقع التواصل الاجتماعي.

كما قالت المنظمة، في تحقيق منفصل، إن مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين جرى تجنيدهم عبر شركة مقرها الإمارات، وإن بعضهم مر عبر منشآت عسكرية إماراتية قبل نشره في السودان.

وتوصلت المنظمة إلى هذه النتائج بالاعتماد على مقابلات مع مقاتلين وتحليل صور الأقمار الصناعية ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي ومصادر أخرى ولم يقتصر دور هؤلاء المقاتلين على عمليات الدعم اللوجستي، إذ شارك بعضهم في مهام قتالية داخل دارفور.

كما تحدث أحد المقاتلين السابقين عن وجود مقاتلين صغار في السن، قال إن أعمار بعضهم لم تتجاوز 12 عامًا، ويحملون السلاح مقابل الطعام.

وتأتي هذه الشهادات في سياق أوسع من الانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية في دارفور، خصوصًا في مدينة الفاشر، التي تحولت إلى أحد أبرز مراكز الصراع في الإقليم.

طائرات وشبكات إمداد

في تحقيق آخر، سلطت رويترز الضوء على شبكة جوية مرتبطة بطائرات شحن تحركت على خطوط إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع، عبر مناطق في الصومال وليبيا وتشاد وصولًا إلى دارفور.

وأظهرت بيانات الرحلات وصور الأقمار الصناعية وعمليات تتبع الطائرات، وفق رويترز، وجود تحركات مرتبطة بشبكات الإمداد المستخدمة خلال الحرب، بما في ذلك نقل معدات ومقاتلين.

وتعزز هذه المعطيات، إلى جانب تحقيق فايننشال تايمز وتحقيقات هيومن رايتس ووتش، صورة أكثر تعقيدًا لشبكات الإمداد التي تغذي الحرب السودانية وتتجاوز حدود البلاد التي باتت مصدرا لزعزعة الاستقرار داخل القارة.