في كل مرة تندلع فيها الحرائق في بلادنا، لا تحترق الأشجار والغابات وحدها، بل تنكشف أيضًا هشاشة بعض المنظومات، وتتجدد الأسئلة حول مدى جاهزية الدولة، وفعالية الوقاية، وسرعة التدخل، وقدرتنا على حماية الإنسان والثروة الطبيعية.
لكن الأخطر من النار التي تلتهم الغابات، هو أن تتحول المأساة إلى وقود لنار أخرى تُشعل على مواقع التواصل الاجتماعي: نار الإشاعة، والتخوين، والتحريض، وتبادل الاتهامات، واستثمار خوف المواطنين وغضبهم لتحقيق مكاسب سياسية أو حسابات شخصية.
ومن لم يسعفه دوره في إطفاء الحرائق على الأرض، فلا ينبغي أن يحاول إشعالها على المواقع والمنصات.
هذه ليست دعوة إلى الصمت، ولا إلى تكميم الأفواه. بل على العكس، إن من واجب المواطنين والإعلام والأحزاب السياسية أن يطرحوا الأسئلة، وأن يطالبوا بالمحاسبة، وأن ينتقدوا أداء المسؤولين عندما تكون هناك اختلالات أو تقصير.
لكن النقد شيء، وإشعال الفتنة شيء آخر.
النار لا تنتظر بياناتنا
عندما تشتعل الغابات، لا يكون أمام الدولة والمجتمع ترف المناكفات السياسية.
هناك عائلات مهددة، قرى تحتاج إلى الحماية، مواطنون يخاطرون بحياتهم، أعوان حماية مدنية وجنود وغابات ومتطوعون في الميدان، وثروة طبيعية تحتاج إلى الإنقاذ.
في تلك اللحظات، يجب أن تكون الأولوية واضحة: إنقاذ الأرواح أولًا، السيطرة على الحرائق ثانيًا، حماية الممتلكات والثروة الغابية ثالثًا، ثم فتح التحقيقات وتحديد المسؤوليات.
أما تحويل كل حريق، منذ لحظاته الأولى، إلى مادة للمزايدة السياسية أو منصة لتوزيع الاتهامات، فهو لا يخدم الضحايا ولا يساعد فرق التدخل. بل قد يزيد من ارتباك المواطنين، ويخلق حالة من الهلع، ويصعّب مهمة السلطات والفرق الموجودة في الميدان.
لكن التضامن لا يعني إسقاط المساءلة
وفي المقابل، لا يمكن أن تتحول عبارة “الظرف حساس” إلى ذريعة لإغلاق باب الأسئلة.
نحن في جيل جديد نؤمن بأن الدولة القوية ليست الدولة التي تخفي إخفاقاتها، وإنما الدولة التي تمتلك شجاعة الاعتراف بها وتصحيحها.
لذلك، بعد السيطرة على الحرائق، يجب أن تكون هناك أسئلة واضحة: هل كانت منظومة الوقاية جاهزة؟ هل تم تنظيف المسالك وتهيئة نقاط المياه ومراقبة المناطق الغابية؟ هل كانت وسائل التدخل والإنقاذ متوفرة بالقدر الكافي؟ هل كان التنسيق بين مختلف المصالح فعالًا؟ هل استفدنا من دروس الحرائق السابقة؟ وهل توجد استراتيجية وطنية حقيقية للتعامل مع ظاهرة أصبحت تتكرر، بدل الاكتفاء كل سنة بإدارة الأزمة بعد وقوعها؟.
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في الدولة، وإنما هي جزء من مسؤولية الدولة أمام المواطن.
لا نريد دولة تصل بعد اندلاع الحريق
المشكلة ليست فقط في قدرة الدولة على إطفاء الحريق، وإنما في قدرتها على منع تحوله إلى كارثة.
والحوكمة الحديثة للأزمات لا تبدأ عند اشتعال النار، وإنما قبل ذلك بأشهر وسنوات: بالتخطيط، والوقاية، والتجهيز، والإنذار المبكر، وتكوين الموارد البشرية، وتوفير الوسائل، وتحديد المسؤوليات، وإجراء التمارين والمحاكاة، ثم تقييم الأداء بعد كل أزمة.
أما أن ننتظر الكارثة، ثم نبحث عن الوسائل، ونصدر التعليمات، ونشكل لجان التحقيق، ونقدم الوعود، فهذا يعني أننا ما زلنا ندير الأزمات بعقلية رد الفعل بدل الاستباق.
والجزائر اليوم تحتاج إلى الانتقال من ثقافة “إطفاء الحريق” إلى ثقافة “منع الحريق وإدارة المخاطر”.
حرائق الغابات لا يجب أن تتحول إلى حرائق اجتماعية هناك أيضًا مسؤولية أخرى تقع على عاتقنا جميعًا
في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر في ثوانٍ، يمكن لصورة قديمة، أو فيديو من بلد آخر، أو معلومة غير مؤكدة، أو إشاعة مجهولة المصدر، أن تتحول في دقائق إلى “حقيقة” يتداولها الآلاف.
وهنا يصبح المواطن نفسه جزءًا من منظومة إدارة الأزمة، فلا تنشر ما لم تتأكد منه، ولا تحوّل الإشاعة إلى خبر، ولا تستثمر في خوف الناس، ولا تجعل من مأساة المواطنين وسيلة لإشعال الغضب والكراهية.
فالكلمة في أوقات الأزمات قد تكون أحيانًا أخطر من النار نفسها.
المعارضة مسؤولة أيضًا
ومن موقعنا في حزب جيل جديد، نؤكد أن المعارضة السياسية لا تعني التشفي في أزمات الوطن.
نحن نعارض السياسات عندما نعتقد أنها خاطئة، وننتقد أداء المسؤولين عندما نرى تقصيرًا، ونطالب بالشفافية والمحاسبة عندما تستدعي الضرورة ذلك.
لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تصبح المعارضة مجرد تغذية للغضب الشعبي أو استثمارًا سياسيًا في مآسي المواطنين.
المعارضة المسؤولة هي التي تقول للحكومة: نحن هنا لنراقبكم، ولن نسكت عن التقصير، لكننا أيضًا مستعدون للمساهمة في حماية المواطن عندما تكون البلاد في أزمة.
فالجزائر أكبر من الحكومة والمعارضة، وأكبر من الأحزاب والأشخاص.
نحتاج إلى إطفاء الحريق، وإطفاء أسباب الحريق
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجزائر ليس فقط كيف نطفئ الحرائق عندما تندلع، وإنما كيف نبني دولة لا تنتظر الكارثة لكي تتحرك.
نحتاج إلى سياسة وطنية دائمة لحماية الغابات، وإلى إدارة حقيقية للمخاطر والكوارث، وإلى وسائل متطورة للمراقبة والإنذار المبكر، وإلى تثمين دور الجماعات المحلية، وإلى إشراك السكان في الوقاية، وإلى عقاب كل من يثبت تورطه في إشعال الحرائق عمدًا، أيا كان موقعه أو دوافعه.
وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى مسؤولية سياسية وأخلاقية في الفضاء الرقمي.
فالغابة التي تحترق يمكن إعادة تشجيرها، والضرر المادي يمكن تعويضه، لكن عندما تحترق الثقة بين المواطن والدولة، وعندما تتحول المنصات إلى فضاء للكراهية والتخوين والتحريض، فإن إعادة بناء هذه الثقة تصبح أصعب بكثير.
لذلك نقولها بوضوح: أطفئوا حرائق الغابات، ولا تشعلوا حرائق المجتمع.
ومن لم يسعفه موقعه أو دوره في إطفاء النار على الأرض، فليتفرغ على الأقل لعدم إشعالها على المواقع والمنصات.
فالجزائر اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الحرائق، بل تحتاج إلى من يطفئها، ومنع تكرارها، وبناء دولة تستبق الكارثة بدل أن تكتفي بإدارتها بعد وقوعها.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين