“إن أزمة المشاركة الانتخابية ليست أزمة مواطنين ابتعدوا عن السياسة، بل أزمة سياسة ابتعدت عن المواطنين”.

ليست نسبة المشاركة في أي انتخابات مجرد رقم يُعلن عند غلق مكاتب التصويت، بل هي المؤشر الأكثر دلالة على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين يتوجه المواطن إلى صندوق الاقتراع، فإنه لا يختار ممثلين فحسب، بل يعلن أيضًا أنه ما زال يؤمن بأن السياسة قادرة على التأثير في حياته، وأن المؤسسات تستحق أن يمنحها جزءًا من ثقته.

أما حين يعزف أغلبية المواطنين عن المشاركة، فإن المسألة تتجاوز الانتخابات ذاتها، لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا حدث حتى أصبح عدد متزايد من المواطنين يرى أن الامتناع عن التصويت أبلغ من الإدلاء بصوته؟

إن الانتخابات التشريعية ليوم 2 جويلية 2026 تضعنا جميعًا أمام هذا السؤال. وليس من الحكمة أن نبحث عن أجوبة سهلة أو أن نختزل الظاهرة في عوامل ظرفية. فالعزوف الذي يتكرر ويتسع عبر الزمن لا يكون حادثًا عابرًا، بل يصبح تعبيرًا عن تحول عميق في علاقة المجتمع بالسياسة.

لقد عرف المجتمع الجزائري خلال العقدين الأخيرين تغيرات كبيرة. ارتفع مستوى التعليم، واتسعت دائرة الوعي، وأصبح المواطن أكثر اطلاعًا على تجارب الأمم، وأكثر قدرة على المقارنة بين الأداء السياسي في بلده وما يشاهده في العالم. وفي المقابل، لم تتطور الحياة السياسية بالسرعة نفسها، فبرزت فجوة بين مجتمع يتغير باستمرار، ومؤسسات لم تستطع دائمًا أن تواكب هذه التحولات.

لقد أصبح المواطن لا يطالب فقط بحقه في الانتخاب، بل بحقه في أن يكون شريكًا في صناعة القرار، وأن يرى أثر صوته في السياسات العمومية، وأن يلمس أن المؤسسات المنتخبة تمتلك فعلًا القدرة على الرقابة والتشريع والمساءلة.

ومن هنا، فإن أزمة المشاركة ليست أزمة عزوف عن الديمقراطية، بل أزمة ثقة في فعالية الممارسة الديمقراطية.

إن الديمقراطية لا تختزل في تنظيم انتخابات دورية، مهما كانت سلامة إجراءاتها. فالانتخابات شرط ضروري، لكنها ليست الشرط الكافي. إذ لا تكتمل الديمقراطية إلا عندما يشعر المواطن أن المؤسسات المنبثقة عنها تعبر عن إرادته، وأنها قادرة على حماية مصالحه والدفاع عن حقوقه.

وهنا يبرز التمييز بين نوعين من الشرعية: الشرعية الإجرائية، التي تستند إلى احترام القواعد القانونية والتنظيمية، والشرعية الشعبية، التي تستند إلى ثقة المواطنين ومشاركتهم الحرة والواسعة. وقد تتمتع أي مؤسسة بالشرعية القانونية، لكنها تحتاج باستمرار إلى تجديد شرعيتها الشعبية عبر الأداء، والشفافية، والقرب من المواطنين.

ومن هذا المنطلق، فإن العزوف الانتخابي ليس اتهامًا للدولة، ولا انتصارًا للمقاطعة، بل هو إنذار سياسي يدعو الجميع إلى مراجعة عميقة: السلطة والأحزاب والنخب والإعلام والمجتمع المدني. فلا أحد يستطيع أن يعفي نفسه من المسؤولية.

أما نحن في حزب جيل جديد، فقد اخترنا المشاركة لأننا نؤمن بأن الإصلاح لا يُصنع من خارج المؤسسات، ولا يتحقق بالمقاطعة السلبية، وإنما بالنضال الديمقراطي، وبالدفاع عن البدائل، وبالحضور وسط المواطنين. لكن المشاركة لا تعني الصمت عن الاختلالات، بل تفرض علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها، وأن ندافع عن إصلاحات تعيد الاعتبار للسياسة وللعمل العام.

إن استعادة ثقة الجزائريين تتطلب مشروعًا وطنيًا للإصلاح، يقوم على توسيع فضاءات الحرية، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتقوية صلاحيات البرلمان، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين، وترسيخ ثقافة الحوار والتوافق، وإشراك الشباب والكفاءات في صنع القرار.

كما تقتضي إعادة تعريف وظيفة الأحزاب السياسية. فالحزب ليس آلة انتخابية تظهر عند المواعيد الدستورية ثم تختفي، بل هو مدرسة للمواطنة وفضاء للنقاش وجسر دائم بين المجتمع والدولة. وكلما اقتربت الأحزاب من انشغالات المواطنين، استعادت السياسة معناها.

إن الجزائر لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الخطابات حول أهمية المشاركة، بل إلى سياسات تجعل المشاركة ذات معنى. فالمواطن لا يطلب من الدولة أن تقنعه بالكلمات، بل أن تمنحه أسبابًا موضوعية للثقة.

إن الأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على تنظيم الانتخابات، بل بقدرتها على الإصغاء إلى الرسائل التي تحملها نتائجها. وإذا كانت انتخابات 2 جويلية قد وجهت إلينا رسالة واضحة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن نحسن قراءتها، وأن نحوّلها إلى فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي.

إن المستقبل لن يُبنى بالرضا عن الواقع، ولا بالقطيعة معه، بل بإرادة جماعية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع مصلحة الجزائر فوق كل اعتبار.

هذه هي القناعة التي يحملها حزب جيل جديد: أن الدولة القوية هي التي تستمد قوتها من ثقة مواطنيها، وأن الديمقراطية الحقيقية هي التي تجعل المواطن يشعر كل يوم بأن صوته مسموع وأن مشاركته مؤثرة وأن الوطن مشروع مشترك يتسع للجميع.

ولعل المهمة الكبرى في السنوات القادمة ليست تنظيم انتخابات جديدة، وإنما إعادة بناء الثقة التي تجعل كل انتخابات مقبلة موعدًا حقيقيًا للأمل، لا مجرد استحقاق دستوري.