من مشروع ثوري تحرّري جمع الجزائريين تحت راية الجهاد إلى حزب استخدمته السلطة لتلميع واجهتها المهترئة شعبيا

“جبهة التحرير أعطيناك عهدا” هي الجملة التي كتبت بالدم واسترجعت بالدم وصدحت بها حناجر الملايين من الجزائريين منذ أن كتبت ذات أفريل 1956، ثم تحولت إلى شعار لحملة الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، لتنقلب الآية ويتحول اسم جبهة التحرير لأكثر الأسماء مقتا عند الجزائريين بعد بزوغ فجر الحراك الشعبي في 22 فيفري، مطالبين باسترجاع الاسم وإدخال الحزب الذي حكم الجزائر منذ الاستقلال حتى اليوم إلى المتحف.

اجتماعات دون جدوى

انهى المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني اجتماعه في وقت متأخر، بداية الأسبوع، بقرار الإبقاء عليه مفتوحا لما بعد لقاء المحافظين، بسبب النقاش الساخن بين أعضائه الوارثين لتركة الأمين العام الحالي للحزب محمد جميعي الذي يقبع في سجن الحراش رهن الحبس الوقت على خلفية قضايا لم تعرف خباياها بعد.

ولم يتمكن المجتمعون من الفصل في مسألة مشاركة الحزب من عدمها في الرئاسيات المقررة في 12 ديسمبر المقبل، وسط انقسام كبير بين تأييد الأفلاني القديم، والأمين العام السابق للحزب بين سنة 2001 و2004 علي بن فليس، وبين الوزير الأول السابق عضو اللجنة المركزية عبد المجيد تبون، أو ترشيح الحزب للأمين العام السابق عبد العزيز بلخادم والذي يسانده القليل منهم فقط.

لحد الساعة لم يحسم المكتب السياسي المطعون في شرعيته من قبل الكثير من العائدين للحزب بعد رحيل جمال ولد عباس الأمين العام الأسبق للحزب في استدعاء اللجنة المركزية هل ستكون أم لا، مؤجلين  كل القرارات إلى الاجتماع المقبل للمكتب بحر هذا الأسبوع.

أفلان “ديقاج”

“يتنحاو قاع” شعار صدحت به حناجر الجزائريين الرافضين لترشيح الرئيس المستقبل عبد العزيز بوتفليقة بسبب وضعه الصحي، تحول إلى نقمة على الحزب العتيد الحاكم الذي أصبحت المطالبة بحله الشعار رقم اثنان في الحراك الشعبي، “ديقاج الافلان”.

وازدادت المطالبة بحل الحزب حدة بعد الخطاب الشهير لمنسقه معاذ بوشارب من وهران الذي قال فيه “نقول للداعين للتغيير أحلام سعيدة وصح نومكم”، ورغم أن بوشارب كان يوجه رسالته لحركة مجتمع السلم ورئيسها عبد الرزاق مقري غير أنها كانت القطرة التي أفاضت الكأس وأصبح المتظاهرون رافضون للحزب ورموزه بشكل كلي.

وليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها قضية حل الحزب وإحالته على المتحف، فلقد ثارت في ثمانينيات القرن الماضي نفس المطالب بعد دخول مرحلة التعددية الحزبية حيث رفضت الطبقة السياسية وقتها استمرار العمل بالشرعية الثورية.

وتجدد ذات المطلب بداية سنة 2016 من شخصيات ذات الوزن الثقيل في “معركة الشرعية الثورية” من بينهم لخضر بورقعة الذي يقبع الآن في السجن بتهمة إحباط معنويات الجيش، وياسف سعدي وزهرة ظريف بيطاط، لما طالبوا بتحرير الحزب الذي حرر البلاد من عصابات المال السياسي الفاسد الذي حاد به عن مساره الطبيعي، وردّ عليهم وقتها جمال ولد عباس الأمين العام السابق للأفلان بالأرقام و بسخرية كبيرة قائلا: “حزبنا يضم 120 محافظة على المستوى الوطني و220 نائبا في المجلس الشعبي الوطني، و48 نائبا في مجلس الأمة، و2000 قسمة عبر كل البلديات، فكيف يطالبنا البعض بإحالة هذا الخزان السياسي إلى المتحف؟”

هل حكم الأفلان أم حكم باسمه؟

منذ بزوغ فجر الحراك الشعبي دخل الحزب في حرب إعلامية كبيرة من أجل إثبات أنه لم يحكم الجزائر لوحده منذ الاستقلال إلى اليوم خاصة في العشرين سنة الأخيرة بل كان الطرف الأضعف في دائرة الحكم، و”مسح الموس” في غريمه التقليدي التجمع الوطني الديمقراطي وأمينه العام أحمد أويحيى الذي يسكن هو الأخر حبس الحراش في تهم ثقيلة وهو الذي تربّع على العرش الحكومة لسنوات طويلة.

ودخل رجال “مناضلون” الآفلان في حرب البقاء رافعين تحدي تنظيفه من الدخلاء والمال القذر، ليسقط مرة أخرى في ذات الخطأ من خلال انتخاب أو “شراء” محمد جميعي لمنصب الأمين العام حسب الكثير من النواب وأعضاء المكتب السياسي الرافضين لتوليه هذا المنصب، بحجة عدم توفره على الكثير من الشروط في مقدمتها 10 سنوات نضال غير منقطعة، وهو الذي ولج إلى الحزب قبل ثماني سنوات فقط عن طريق الأمين العام الأسبق عبد العزيز بلخادم.

وفي معرض تبرأة الأفلان من الحكم وترسيخ فكرة الحكم باسمه، استَشهد عضو مكتبه السياسي والمكلف بالإعلام محمد عماري، بسخرية أحزاب المعارضة منهم بالقول “إنه حزب الأغلبية لكنه لا يحكم”؛ وراح ذات المتحدث يبرر براءة الحزب بقوله “الحزب كان مجرد واجهة للمجموعات التي تفردت بالقرار واستولت على كل مؤسسات الدولة، بتواطؤ من القيادات التي تم وضعها على رأس حزب كان يحوز الأغلبية في غرفتي البرلمان، لكنه كان أقلية في الحكومة وهو وضع غريب جدا، لكن لا أحد في الأفلان كان بوسعه أن يرفض الوضع أو يقول لا”.

الأزمة تتوسع والمجاهدون يتبرؤون منه

رغم أن الأفلان انحنى رأسه لمرور عاصفة الحراك عليه بردا وسلاما، لكن الضربة كانت أقوى من طرف المجاهدين على لسان محند واعمر الأمين العام بالنيابة للمنظمة الوطنية للمجاهدين الذي طالب الحزب بالتنحي والحكومة بنزع الصلاحيات منه، ووزارة الداخلية بحل الحزب، لأن الحل في يدها اليوم.

وأعلن محند واعمر، تبرئ المجاهدين من الحزب العتيد، قائلا “نحن المجاهدون نتبرأ منه، نبحث عن حزب آخر”، معتبرا وجود الأفلان اليوم في الساحة السياسية غير قانوني، لأنه لا يملك سببا لبقائه، وأن المنظمة ستبقى تطالب بحله، رافضا أن تستغل الرموز الوطنية ورموز الدولة ومقومات الأمة في العمل السياسي، لأن القانون يمنع ذلك، وأن ضمائر المجاهدين الحقيقيين لفظت كل حزب لا ينبع من الطبقات الاجتماعية ويجعل من الرموز سلما لتحقيق أغراض شخصية.

حرب التموقع داخل العتيد

منذ تولي جمال ولد عباس لمنصب الأمين العام للحزب خلفا لعمار سعداني في 2016 والحزب يعيش حالة من الفوضى المعلنة بين رافض ومؤيد وصلت إلى حد إقالة ولد عباس بحجة المرض ليخلفه معاذ بوشارب في منصب منسق للعتيد بتعيين من رئيس الحزب الحالي عبد العزيز بوتفليقة.

وازدادت حرب الشرعية حدة بعد ظهور حركة التقويم والتأصيل التي يقودها عبد الكريم عبادة أو ما يعرف بـ ”الحرس القديم”، حيث وصل الحزب في عهد سعداني وولد عباس حسبهم لمستوى الانحطاط الذي لا يعكس مكانة الأفلان.

ووصل تباين مواقف قيادات حزب جبهة التحرير الوطني إلى حد حل المكتب السياسي واللجنة المركزية من قبل معاذ بوشارب بحجة أن هذا يخرج الأفلان من حالة التخبط والانهيار.

ومازال الحزب يعيش في حالة من الانفلات بعد حبس أمنيه العام محمد جمعي وتولي علي صديقي المنصب بالنيابة وسط حرب البيانات والمنشورات الفيسبوكية التي أصبحت السمة الأبرز في قيادات الحزب.