رد السفير الجزائري السابق والأمين العام السابق لوزارة الشؤون الخارجية، عمار بلاني، على التصريحات التي أدلى بها الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي في حوار مع صحيفة “القدس العربي”، رافضا ما اعتبره طرحا يقوم على تبسيط الوقائع التاريخية وتقديم روايات لا تنسجم، بحسبه، مع تسلسل الأحداث التاريخية في المنطقة المغاربية.

وفي مقال مطول نشره على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي، قال بلاني إن مواقف المرزوقي بشأن الجزائر تتقاطع مع ما وصفه بـ”السردية المغربية”، واتهمه بالاستناد في بعض تصريحاته إلى “ادعاءات مضللة وكاذبة بشكل واضح”، داعيا إلى قراءة مواقفه في ضوء السياق التاريخي والسياسي للعلاقات المغاربية.

واستهل بلاني رده بالتوقف عند العلاقة التي تربط المرزوقي بالمغرب، مشيرا إلى أن الرئيس التونسي الأسبق يعتبر المغرب “بلده الثاني”، باعتبار أنه نشأ فيه وتلقى تعليمه هناك ويوجد فيه قبر والده.

كما أشار إلى علاقات المرزوقي، بحسبه، مع دوائر سياسية فرنسية، معتبرا أن هذه المعطيات تثير تساؤلات حول مدى حياده عند تناوله الملفات الخلافية بين الجزائر والمغرب.

كما انتقد بلاني رد المرزوقي على تصريحات الوزير السابق عبد العزيز رحابي بشأن تعدد ولاءاته، خاصة لجوءه إلى الاستشهاد بجوزيف غوبلز، معتبرا أن هذا الرد يظهر، من وجهة نظره، ارتباكا في الدفاع عن مواقفه.

اتحاد المغرب العربي.. من يتحمل مسؤولية التعطيل؟

رفض بلاني تحميل الجزائر مسؤولية ما وصفه المرزوقي بـ”الموت السريري” لاتحاد المغرب العربي، مؤكدا أن الوقائع التاريخية، بحسب روايته، تشير إلى مسؤولية مغربية عن تجميد عمل مؤسسات الاتحاد.

وأوضح أن المغرب وجه، عبر وزير خارجيته آنذاك عبد اللطيف الفيلالي، في 20 ديسمبر 1995، رسالة رسمية إلى الجزائر، التي كانت تتولى رئاسة الاتحاد حينها، طلب فيها “تجميد أنشطة ومؤسسات الاتحاد”.

واعتبر أن هذا القرار جعل الاتحاد يتحول منذ ذلك الوقت إلى هيكل مؤسساتي محدود الفاعلية، رافضا بذلك الرواية التي تلقي بالمسؤولية على الجزائر وحدها.

إغلاق الحدود بتسلسل

فيما يتعلق بإغلاق الحدود البرية بين الجزائر والمغرب، قال بلاني إن فهم الملف يتطلب العودة إلى أحداث سنة 1994، مشيرا إلى أن المغرب فرض في أوت من ذلك العام نظام التأشيرة على المواطنين الجزائريين، عقب الاعتداء الذي استهدف فندق أطلس أسني في مراكش، وشمل القرار أيضا مزدوجي الجنسية الفرنسية الجزائرية.

وأضاف أن وزارة الخارجية الفرنسية أدانت آنذاك الإجراءات المغربية، بينما تعرض عدد من الجزائريين الموجودين في المغرب، وفق روايته، للطرد من الفنادق والتفتيش والمعاملة التي وصفها بالمهينة والتمييزية.

وقال إن الجزائر اتخذت في سبتمبر 1994 قرار إغلاق حدودها البرية مع المغرب، معتبرا أن القرار جاء ردا على سلسلة من الإجراءات والاتهامات التي سبقت ذلك.

كما استند بلاني إلى تصريحات وزير الداخلية الفرنسي آنذاك شارل باسكوا، الذي قال بعد أشهر من اعتداء مراكش إن منفذي الهجوم كانوا ينتمون إلى “حركة الشباب الإسلامي المغربي”، المعروفة أيضا باسم “الشبيبة الإسلامية”، معتبرا أن هذه المعطيات الفرنسية تقوض، بحسبه، الأساس الذي بنيت عليه الاتهامات الأولية ضد الجزائر.

قمة 2012.. مساومة جيوسياسية

توقف بلاني كذلك عند مساعي عقد قمة لاتحاد المغرب العربي سنة 2012، والتي قال إن المرزوقي تحرك بشأنها بتكليف من ملك المغرب.

وبحسب رواية بلاني، لم تكن القمة المقترحة تستند إلى تحضير جدي أو جدول أعمال فعلي، وإنما كانت ستقتصر على لقاء بروتوكولي بين قادة الدول المغاربية.

وأضاف أن المبادرة تضمنت، وفق تقديره، طرحا يقوم على منح الجزائر منفذا إلى المحيط الأطلسي مقابل قبولها بالخطة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهو ما رفضته الجزائر باعتباره تحويلا لقضية سياسية ومبدئية إلى مساومة جيوسياسية.

وأوضح بلاني أنه كان آنذاك الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، وأن موقف الجزائر تمثل في ضرورة إعادة بناء اتحاد المغرب العربي على أساس التكامل الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية المشتركة، واستثمار الإمكانات الاقتصادية للدول الخمس، بدل الاكتفاء بقمم بروتوكولية.

وأكد أن الجزائر كانت تشترط كذلك الفصل بين مسار العلاقات الجزائرية المغربية وبين قضية الصحراء الغربية، التي قال إن تسويتها يجب أن تتم ضمن الإطار الأممي المختص.

وأشار بلاني إلى إعلان المرزوقي، خلال تلك المرحلة، إمكانية تنقل التونسيين والجزائريين بين البلدين باستخدام بطاقة الهوية فقط، واعتبر أن هذا الإعلان صدر دون تنسيق مسبق مع الجزائر.

وأوضح أن مسائل الدخول إلى أراضي الدول ومراقبة الحدود تدخل ضمن الصلاحيات السيادية، ولا يمكن حسمها بتصريحات أحادية الجانب.

كما انتقد طرح المرزوقي فكرة الوساطة بين الجزائر والمغرب بشأن قضية الصحراء الغربية وإعادة فتح الحدود، مشيرا إلى أن الجزائر رفضت المقترح في حينه، وأن الناطق باسم الخارجية الجزائرية وصف فكرة الوساطة بأنها غير ضرورية، باعتبار أن قنوات الاتصال بين البلدين كانت مفتتوحة أصلا.

وذهب بلاني إلى أن تدخل المرزوقي في هذا الملف ساهم، بحسب تقديره، في إفشال محادثات جزائرية مغربية كانت قد قطعت أشواطا، محملا الرئيس التونسي الأسبق مسؤولية مباشرة عن ضياع ما وصفها بـ”نافذة دبلوماسية”.

اللاجئون الصحراويون في تندوف

رفض بلاني كذلك وصف اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف بأنهم “محتجزون”، معتبرا أن هذا الوصف يتطابق مع الخطاب الرسمي المغربي.

وقال إن هذا الطرح يتجاهل الظروف التاريخية التي رافقت نزوح الصحراويين بعد سنة 1975، مشيرا إلى فرار أعداد كبيرة منهم إلى الأراضي الجزائرية بسبب الحرب.

كما رفض اعتبار وجود مخيمات اللاجئين في تندوف نتيجة لاستغلال الجزائر لمعاناتهم، معتبرا أن استمرارها مرتبط، من وجهة نظره، بعدم تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي نصت عليه خطة التسوية الأممية لعام 1991.

الجزائر لم تطلب منفذًا على الأطلسي

وفي أبرز نقاط رده، نفى بلاني أن تكون الجزائر قد طلبت في أي مرحلة منفذا إلى المحيط الأطلسي، معتبرا أن طرح هذه الفكرة يهدف إلى الإيحاء بأن الجزائر مستعدة لمقايضة موقفها من قضية الصحراء الغربية بمكاسب اقتصادية أو جغرافية.

وأكد أن الجزائر، بحسبه، لم تطرح هذا الطلب على أي مستوى سياسي أو دبلوماسي، وأن موقفها من حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ثابت منذ استقلال البلاد.

وأشار إلى أن هذا الحق يستند، وفق الطرح الجزائري، إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وإلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر سنة 1975.

وجاء رد بلاني عقب تصريحات المرزوقي في حوار مع صحيفة “القدس العربي”، نشر في 19 أوت 2026، ردا بدوره على مقال سابق للوزير الجزائري الأسبق عبد العزيز رحابي.

وكان رحابي قد انتقد مواقف المرزوقي، متهما إياه بتوظيف السياسة الخارجية التونسية خلال فترة رئاسته في تحركات مرتبطة بفرنسا والمغرب، كما انتقد مساعيه لعقد قمة مغاربية وربط قضية الحكم الذاتي المغربي بمقترح منح الجزائر منفذا إلى المحيط الأطلسي.