تدخل سوق القمح العالمية مرحلة جديدة من الاضطراب مع تصاعد الهجمات الروسية والأوكرانية على الموانئ والسفن والمنشآت المرتبطة بتجارة الحبوب في البحر الأسود، ما يهدد بتعطيل جزء من الإمدادات ويدفع كبار المستوردين إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة.

وارتفعت العقود الآجلة القياسية للقمح في بورصة شيكاغو بأكثر من 17% منذ بداية جويلية، بينما سجلت أسعار القمح الفعلية في دول مصدرة منافسة، بينها الأرجنتين وأستراليا والولايات المتحدة، مكاسب قوية.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أدت الهجمات المتبادلة خلال الأسابيع الأخيرة إلى إغلاق محطات للحبوب وتأجيل أو إلغاء تحميل عشرات السفن في ذروة موسم التصدير.

ونقل التقرير عن متعامل مقيم في سنغافورة يبيع قمح البحر الأسود إلى مطاحن آسيوية قوله: “كان من المفترض أن تبدأ الشحنات في الوصول اعتبارا من منتصف أوت، لكن عدداً من السفن لم يتمكن حتى من الدخول للتحميل”.

وأضاف المتعامل: “يدرس مشترون البحث عن بدائل لجزء من هذه الشحنات من مناشئ أخرى، مثل أستراليا وأميركا الشمالية والأرجنتين”.

الجزائر في دائرة التأثر

تعد الجزائر من كبار مستوردي القمح عالميا، وتحتاج إلى استيراد ما يقارب 9 ملايين طن سنويا لتغطية الطلب المحلي، وفق تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية للموسم التسويقي 2025-2026. وتشير البيانات نفسها إلى أن روسيا أصبحت المورد الرئيسي للقمح إلى الجزائر، بينما برزت أوكرانيا كمصدر مهم، في وقت تراجعت فيه حصة القمح الفرنسي بصورة حادة.

وهذا التحول يجعل الجزائر معرضة لتداعيات اضطرابات البحر الأسود، خصوصا مع توسع حضور روسيا وأوكرانيا في سوقها خلال السنوات الأخيرة.

لكن درجة التأثر الجزائري تبدو مختلفة عن حالة مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، التي استوردت أكثر من 82% من احتياجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا خلال النصف الأول من 2026، وفقا لرويترز. كما أن الجزائر تمتلك هامشا أوسع لتنويع مصادرها، وهو ما ظهر بوضوح في مناقصاتها الأخيرة.

ففي مناقصة أغلقت في 6 أوت، اشترت الجزائر ما بين 540 ألفا و720 ألف طن من قمح المطاحن، وفقا لتقديرات متعاملين نقلتها رويترز. وكان القمح الروسي مطروحا ضمن العروض، لكنه لم يحظ بالأفضلية، وسط مخاوف من تداعيات الهجمات على الموانئ والسفن الروسية. ورجح المتعاملون أن تكون رومانيا وبلغاريا من أبرز مصادر الشحنة.

وهذه الخطوة تكشف جانبا مهما من كيفية تعامل الجزائر مع أزمة البحر الأسود، فبدلا من الاعتماد على مصدر واحد، تستطيع مؤسسة الديوان الجزائري المهني للحبوب التحول نحو مناشئ أوروبية أخرى، إضافة إلى خيارات من أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأستراليا والهند.

من أين تشتري الجزائر القمح؟

شهدت خريطة واردات القمح الجزائرية تحولا كبيرا خلال السنوات الأخيرة.

فروسيا أصبحت المورد الأبرز للقمح إلى الجزائر، بينما حافظت أوكرانيا على موقع مهم، في حين تراجعت واردات القمح الفرنسي بشكل كبير نتيجة عوامل مرتبطة بالسوق وبالخلافات السياسية بين الجزائر وباريس. وتقول وزارة الزراعة الأمريكية إن روسيا برزت كأكبر مورد للجزائر، مع صعود أوكرانيا كمصدر مهم آخر.

وتظهر بيانات التجارة الدولية لعام 2024 تنوعا أكبر في مصادر القمح الجزائري. فقد استوردت الجزائر نحو 7.91 ملايين طن من القمح والقمح المخلوط، جاءت أبرز الكميات من روسيا وبلغاريا وفرنسا وأوكرانيا ورومانيا.

أما القمح الصلب، الذي يمثل أهمية خاصة للسوق الجزائرية، كانت له خريطة توريد مختلفة خارج البحر الأسود، في السنوات السابقة، بينما تتجه لتحقيق الاكتفاء بداية من الموسم الجاري .

إذ تتوقع التقديرات أن يتجاوز إنتاج القمح الصلب 2.4 مليون طن، في حين تقدر الاحتياجات الوطنية بنحو 0.9 مليون طن، وهو ما يفتح المجال أمام تحقيق فائض في الإنتاج يقدر بـ1.5 مليون طن يمكن توجيهه إلى التصدير.

هل تواجه الجزائر نقصا في القمح؟

حتى الآن، لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن الجزائر تواجه نقصا فوريا في القمح بسبب هجمات البحر الأسود.

فالجزائر تملك قدرة على تغيير وجهة مشترياتها، كما أن مناقصتها الأخيرة أظهرت استعدادا للاعتماد على رومانيا وبلغاريا، وهما من موردي منطقة البحر الأسود الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مع إمكانية اللجوء إلى مصادر أبعد في حال استمرار اضطراب الملاحة.

لكن المشكلة قد تظهر في مستوى الأسعار وتكاليف النقل وتوافر السفن.

ففي الأسواق الآسيوية، تتراوح أسعار معظم شحنات قمح البحر الأسود بين 260 و280 دولارا للطن، مقابل نحو 315 إلى 320 دولارا للطن للقمح الأسترالي الفاخر شاملا التكلفة والشحن، بينما يبلغ سعر بعض أنواع القمح الأمريكي نحو 305 دولارات للطن، وفقا لرويترز.

وبالتالي، فإن انتقال الجزائر من القمح الروسي أو الأوكراني إلى مصادر أخرى قد يرفع تكلفة الاستيراد، خصوصا إذا طال أمد اضطراب الملاحة وارتفعت المنافسة العالمية على المناشئ البديلة.

وتظهر المناقصة الأخيرة التي أعلنت عنها في 6 أوت ارتفاع في مستويات الأسعار التي تراوحت بين 289 و290 دولارا للطن شاملا التكلفة والشحن، فيما ترواحت بأسعار المناقصة التي سبقتها في جوان بين 264 و265 دولارا للطن شاملا التكلفة والشحن.

“الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم”

ولا تقتصر المشكلة على ارتفاع الأسعار. فالمخاطر الأمنية باتت تؤثر مباشرة في قرارات شركات الشحن.

وقال هشام سليمان، وهو متعامل مقيم في الإسكندرية بمصر، لرويترز إن عددا قليلا من مالكي السفن مستعدون حاليا للرسو في الموانئ الروسية أو الأوكرانية، مضيفًا: “الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم”، محذرا من حدوث نقص في الإمدادات ما لم يتم التوصل إلى حل.

وقال متعاملون إن شركات معالجة الحبوب الآسيوية حجزت ما بين مليوني طن و2.5 مليون طن من قمح البحر الأسود للوصول بين يوليو وسبتمبر، وهي كميات تمثل ما بين 30% و50% من الطلب على الواردات في بعض الأسواق.

وقال ماكسنس ديفيليرز، محلل شؤون الحبوب لدى أرغوس ميديا: “بحلول نهاية أوت، سيتعين على السوق إيجاد حلول”.

هجمات متصاعدة على موانئ الحبوب

وتأتي أزمة الشحن في سياق تصعيد متواصل منذ انسحاب روسيا من اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود.

ووفقا لوزارة البنية التحتية الأوكرانية، تعرضت أوكرانيا خلال جويلية لـ35 هجوما على سفن في الموانئ، و22 هجوما في البحر، و67 هجوما على منشآت موانئ، مقابل 14 هجوما فقط على هذه المنشآت خلال عام 2025 بأكمله، بحسب رويترز.

وأدت الهجمات إلى توقف جزء كبير من حركة الصادرات الأوكرانية، فيما بدأت شحنات الحبوب المخصصة للتصدير تتحول نحو موانئ نهر الدانوب، إضافة إلى طرق برية وسككية عبر بولندا والمجر وسلوفاكيا ورومانيا.

وفي الجانب الروسي، أدت الهجمات الأوكرانية المتكررة إلى تعليق أنشطة الشحن والتصدير في محطات بميناء نوفوروسيسك، أحد المراكز الرئيسية لصادرات الحبوب الروسية.

الجزائر أمام اختبار جديد

بالنسبة للجزائر، تكشف أزمة البحر الأسود عن مفارقة في سوق القمح، فقد ساعد تنويع الموردين خلال السنوات الأخيرة على تقليل الاعتماد على فرنسا، لكنه زاد في الوقت نفسه من أهمية روسيا وأوكرانيا في سلة الواردات.

وتملك الجزائر حاليا بدائل متعددة، من بينها رومانيا وبلغاريا وكندا والولايات المتحدة وأستراليا والأرجنتين، بحسب نوع القمح وظروف المناقصات. كما أن الديوان الجزائري المهني للحبوب يستطيع تغيير وجهة الشحنات وفقا للأسعار وظروف السوق.

لكن استمرار الهجمات لفترة طويلة قد يفرض معادلة أكثر كلفة، كلما تراجعت قدرة البحر الأسود على تصدير القمح، ارتفع الطلب على المناشئ البديلة، ومعه أسعار القمح وتكاليف الشحن.

وبذلك، فإن الخطر المباشر على وفرة القمح في الجزائر يبدو محدودا في الوقت الحالي، بينما يتمثل التحدي الأكبر في ارتفاع كلفة الاستيراد واحتمال اضطراب آجال وصول الشحنات، خصوصا إذا استمرت روسيا وأوكرانيا في استهداف البنية التحتية للحبوب والموانئ.