fbpx
مقالات الرأي

“بارازايت” لبونغ جون هو .. خطيئة الطبقية وقصة الصعود والهبوط

لا يترك المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون برائعته “بارازايت” المعروض خارج المسابقة في مهرجان الجونة السينمائي الدولي في دورته الثالثة من 20 إلى 27 من شهر سبتمبر 2019 والفائز بالسعفة الذهبية لآخر دورة من مهرجان كان السينمائي الدولي، أي مجال للصدفة ولا يغفل أي تفصيلة فكل ثانية عنده مهمة ضمن الإطار الفني للعمل، كل هذه العناصر الفنية تضعنا أمام تحفة سينمائية مكتملة الأركان دون مبالغة.

يحيلنا الفيلم منذ البداية لقصة عائلة فقيرة تعيش في أحد الأقبية في حي فقير بكوريا الجنوبية، بيئة تعكس وضع العائلة التي تجري طول الوقت من أجل كسب قوت عيشها، في هذا البلد الذي يتغنى بتقدمه وتطوره الاقتصادي وتحسن الظروف المعيشية للإنسان الكوري ولكن المخرج يعري هذا الواقع ويكشف فيه مواطن السوء والخلل وكيف يتحول الانسان إلى استغلالي لكي يعيش كريما حسب اعتقاده  ولو باستعمال مختلف الطرق المشروعة منها والغير مشروعة في سبيل إدراك غايته على حساب سلم القيم الذي ينهار تحت سقف شبح الفقر.

بلغة سينمائية بديعة وتكثيف بصري يسرد المخرج قصة هذه العائلة وكيف أصبحت فجأة تعيش في قصر ضخم وتسيطر عليه عبر حيل خططت لها ابنتهم بذكائها وتحايلها وتزويرها لشهادات، هكذا تسير العملية وفق خطة مرسومة بعناية تخدمها الصدفة أحيانا والتخطيط الجهنمي أحيانا أخرى، حيث يحصل الابن على وظيفة مدرس لغة إنجليزية لفتاة مراهقة من أسرة غنية، ثم يخطط مع عائلته للتخلص من كل العاملين في المنزل، ويأتي بأخته معلمة فن للطفل الأصغر، وأمه مدبرة للمنزل، ووالده سائقا لصاحب المنزل الغني، فبين الكوميديا والميلودراما خط رفيع تنقلب فيه الحكاية وتتأرجح بين الاثنين وفق مبررات درامية مقنعة إلى أبعد الحدود، وقصة محبوكة جيدا تعتمد على قوة الحبكة أساسا التي تقلب القصة رأسا على عقب من النقيض إلى النقيض فمن الاستمتاع في القصر إلى فيضانات تحت الأقبية، هنا تعري الأمطار الفاورق الاجتماعية فبين من يستمتع بمنظر هطول الأمطار على حديقة منزله وبين من تلتهمه السيول في الأقبية.

بونغ جون هو يطرح إشكالية من هو الطفيلي في الفيلم هل هو الفقير الذي يتطفل على الغني ويعيش على الهامش، أم زوج الخادمة الذي يعيش في قبو منزل الرجل الغني، يصبح هنا مصطلح “الطفيلي” قاسم مشترك بين العائلة الفقيرة وبين الخادمة الاولى للمنزل التي تحتفظ بزوجها في قبو المنزل خوفا عليه لسنوات طويلة، وهنا حتى الغني يصبح طفيليا كيف ولا وهو الذي يعيش على جهد الفقراء ويدعي عطفه عليهم ولكن دائما بتلك النظرة الدونية والفوقية والاشمئزاز من رائحتهم، في مشاهد تعكس الطبقية المقيتة في هذا البلد والتصنيف الاجتماعي الظالم أين يعاني حوالي نصف الكوريين من الفقر وكثير منهم يعملون في وظائف بأجور منخفضة من أجل تغطية نفقاتهم، أو بالأحرى لا يلحقون لسد حاجياتهم بسبب تدني الأجور وضعف القدرة الشرائية عند أكثر من نصف عدد أصحاب الطبقة الوسطى الذين​ يواجهون عجزا ماليا بسبب تكاليف السكن وتوفير التعليم الخاص لأبنائهم فما بالك بفقراء يتخذون من الأقبية مأوى لهم.

تجارب سينمائية كثيرة استدعت بقوة مكون الهامش والمهمش في متخيلاتها السردية مما يدفعنا إلى إدراجها ضمن السينما الواقعية التي تهدف إلى عكس عوالم متعددة خاصة الفقيرة منها وسليط الضوء عليها عبر عدسة الكاميرا لنقل ذلك الواقع للناس المقصيين اجتماعيا والراجع إلى هيمنة سلطة ما سواء سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وهكذا يتم إبعاد الفئات المهمشة عن وسائل الإنتاج المتواجدة أساسا في أيدي الفئات التي لها امتياز اجتماعي، واقع يعكسه بلغة بصرية مميزة المخرج الكوري بونغ جون هو عبر شريطه السينمائي المكثف بالسرد بمحمول البعد الإنساني، وبمرآة عاكسة للروح البشرية الشريرة التي تغيب عنها العدالة الاجتماعية ضمن معادلة الحياة بتناقضاتها المتراكمة والغير منصفة للإنسان باعتباره رقما فقط.

لا يمكن للمتلقي حتى أكثر السوداويين منهم أن ينتظر تلم النهاية الماساوية في الفيلم فتعاطي المخرج مع موضوعه بذلك الشكل الفكاهي والساخر مع الاحتفاظ بجانب الجدية في الموضوع، لا يعطينا الانطباع أن القصة ستنقلب من الكوميديا إلى الطراجيديا فلا شيء كان يوحي بذلك، ولكن ذكاء المخرج وتحكمه في عناصره الفنية جيدا خاصة السرد السلس والمكثف في آن، أعطاه أرضية غنية بالتفاصيل التي يمكنه استخدامها كمتكئ لنقلة أخرى في الحكاية، فبونغ جون هو يتلاعب بالجمهور طيلة أطوار الفيلم يصعد بالقصة إلى الذروة ثم ينزل مثل قصة الصعود والهبوط في الحياة فالطبقية هنا محور الفيلم وللسلالم رمزية فهي التي تجعلك في الأعلى وتنزلك في نفس الوقت إلى القبو، وفي الفيلم كذلك هناك صعود سريع بكوميديا للعائلة التي وجدت نفسها في قصر تتحكم فيه ونزول أسرع بطراجيديا دموية تعكس قوة الصراع بين الطبقتين الفقيرتين من جهة والطبقة الغنية ممثلة في العائلة صاحبة القصر.