الرئيسية » مقالات الرأي » “رهين”.. عن الحراك والحب والوطن

“رهين”.. عن الحراك والحب والوطن

يحمل المخرج المسرحي شوقي بوزيد في عمله “رهين” هم الوطن أولا وأخيرا فالرهين هنا رهين الحب والوطن، بين نار حبيبته ووطنه وتحت ضغط قوى خفية تسعى لاستدراجه واستمالته للتخلي عن مواقفه اتجاه وطنه، الشيء الذي يرفضه جملة وتفصيلا.

“رهين” العمل المسرحي الذي عرض بالمسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي عن نص لمحمد بويش بطولة محمد الطاهر زاوي، مبروك فروجي ونوال مسعودي، وإنتاج مسرح باتنة الجهوي، يغوص المخرج شوقي بوزيد في عمق الذات لبطل المسرحية “رهين” الذي أدى دوره الامثل محمد الطاهر زاوي، وبكثير من الرمزية يعكس العلاقة بينه وبين وطنه وتشبثه بخيط الحرية بعيدا عن المباشراتية السياسية، ولو مع أصوات من بعيد توحي أن الزمن واضح وإسقاط على الوضع الذي تعيشه الجزائر حاليا من حراك شعبي يتمسك بتغيير النظام وعدم الاكتفاء بأنصاف الحلول، فبين المشهد والآخر تعلو أصوات الشعب والعبارات التي تردد منذ 22 فيفري الماضي أهمها “جيبو البياري وزيدو الصاعقة ماكاش الخامسة يا بوتفليقة” عبارة بقدر ما تحمل الكثير من الرمزية بقدر ما كان لها تأثير قوي وصدى كبير في الشارع الجزائري وعجلت برحيل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعطلت مشروع عهدته الخامسة.

ينقل المخرج شوقي بوزيد الصراع بين الشعب والسلطة الساعية لتثبيت وجهة نظرها لنظام الحكم، وبين شعب تواق للحرية يبحث عن تجسيد نظام ديموقراطي قوامه الحريات والعدالة الاجتماعية، وهو ما يتجلى في العمل من خلال الصراع بين بطل المسرحية “رهين” وبين الجلادين إن صح القول واختار لهم المخرج لباسا أسودا في إشارة إلى مفهوم الدولة العميقة ورجالها الذين يتحكمون في دواليب السلطة في الخفاء وكأنهم خفافيش الظلام، ويسعون جاهدين لفرض منطقهم بكل الوسائل حتى وإن اقتضى الأمر الإبادة.

جسد المخرج فكرة سياسية فلسفية تعبر عن وجهة نظر الفنان في راهنه السياسي بلغة عربية قوية تقترب من الشعر، تجربة جديدة تختلف عن الأعمال السابقة للمخرج رغم وفائه للأسود وكأنه يرسم به نظرة تشاؤمية للوضع في الجزائر فالاضطراب والقلق والتوجس كذلك ملامح تظهر بوضوح في العمل وحتى من خلال حركة الممثلين على الركح، حركة ساعدتها السينوغرافيا التي وظفت بشكل جيد خاصة تلك المتعلقة بالوجوه المتكررة خمس مرات، وكأن المخرج أراد أن يلمح أن النظام يعيد إنتاج نفسه من خلال الانتخابات الحالية والمترشحين الخمسة، وتحمل معنى آخرا وإشارة إلى العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فالسينوغرافيا في العرض كان لها دور قوي بدلالات ورسائل عميقة.

يقول المسرحي الملحمي برتولت بريخت: “حقًا إنني أعيشُ في زمنٍ أسود، الكلمة الطيبة لا تجدُ من يسمعها، والجبهة الصافية تفضح الخيانة، والذي ما زال يضحك لم يسمعْ بعدُ بالنبئ الرهيب. أي زمنٍ هذا؟ الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة، لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولاً”، جمل فلسفية تحمل معاني كبيرة تعكس الفكر الفلسفي للتياترالي شوقي بوزيد وعمله المسرحي “رهين”، أفكار ما كانت لتنجح ركحيا دون الاتكاء على نص جيد ولغة رصينة للكاتب محمد بويش وأداء مقنع ومنسجم للثلاثي محمد الطاهر زاوي ونوال مسعودي ومبروك فروجي العائد للمسرح بعد غياب طويل.