لم يكن قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون استحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج مجرّد إضافة هيئة استشارية جديدة إلى المشهد المؤسّساتي الجزائري، بل حمل في جوهره دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، تعكس تحوّلاً في نظرة الدّولة إلى رأس المال البشري بوصفه أحد أهم مرتكزات بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز السّيادة التكنولوجية، فالرّهان لم يعد مقتصراً على استقطاب الاستثمارات أو تطوير البنى التّحتية، بل أصبح الإنسان، بما يمتلكه من خبرات وكفاءات، محوراً أساسياً في معادلة التنمية الجديدة.

لقد عانت الجزائر، على غرار كثير من الدّول النّامية، لعقود طويلة من ظاهرة هجرة الأدمغة والكفاءات العلمية نحو الخارج، حيث استقرّت آلاف الكفاءات الجزائرية في الجامعات ومراكز البحث والمؤسّسات الاقتصادية الكبرى بأوروبا وأمريكا الشّمالية وآسيا، ورغم ما كانت تثيره هذه الظّاهرة من مخاوف مرتبطة باستنزاف الموارد البشرية المؤهّلة، فإنّ التحوّلات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة غيّرت من طبيعة التعامل مع هذه الظّاهرة، إذ لم يعد ينظر إلى الكفاءات المقيمة بالخارج باعتبارها خسارة نهائية، وإنّما باعتبارها امتداداً استراتيجياً للدّولة يمكن توظيفه في نقل المعرفة والتكنولوجيا والخبرات، حتى دون اشتراط العودة النهائية إلى الوطن.

وفي هذا السّياق، يندرج إنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، باعتباره محاولة لإرساء إطار مؤسّساتي دائم يربط الجزائر بمخزونها العلمي المنتشر عبر العالم، ويحوّل العلاقة مع هذه الكفاءات من مبادرات ظرفية وموسمية إلى سياسة عمومية قائمة على الاستمرارية والتّنظيم؛ كما يحمل القرار رسالة سياسية واضحة مفادها أنّ الجزائر تراهن على أبنائها أينما وجدوا، وأنّ الانتماء للوطن لا تحدّده الحدود الجغرافية، بل تحدده المساهمة في مشروعه التّنموي.

غير أنّ نجاح هذه الرّؤية يبقى مرتبطاً بجملة من الشّروط الموضوعية، فالكفاءات العلمية لا تبحث فقط عن الاعتراف الرّمزي، وإنّما تحتاج إلى بيئة مؤسّساتية تضمن الفعالية والمرونة، وإلى مناخ يسمح بتحويل الأفكار والبحوث إلى مشاريع اقتصادية وصناعية حقيقية، لذلك فإنّ فعالية المجلس الجديد ستتوقف على قدرته على تجاوز الطّابع البروتوكولي والاستشاري الضيّق، والانتقال إلى لعب دور الوسيط بين الباحثين الجزائريين بالخارج والمؤسّسات الجامعية والاقتصادية داخل البلاد، بما يتيح إقامة شبكات تعاون مستدامة، وإطلاق مشاريع مشتركة في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة والذّكاء الاصطناعي والطّاقات المتجدّدة والصّناعات الدوائية وغيرها.

ولعلّ التجارب الدّولية تؤكّد أنّ الاستثمار في الكفاءات الوطنية المقيمة بالخارج يمكن أن يحقّق نتائج باهرة متى توفّرت الإرادة السياسية والآليات المناسبة؛ فالهند، على سبيل المثال، استفادت من علمائها وخبرائها المقيمين في الولايات المتحدة وأوروبا في بناء قطاع تكنولوجي أصبح من بين الأقوى عالمياً، كما نجحت الصّين في تحويل جاليتها العلمية إلى رافعة حقيقية للتقدّم الصّناعي والتكنولوجي، من خلال برامج الشّراكة والتحفيز وتسهيل إنشاء المؤسّسات النّاشئة ومراكز البحث المشتركة، وقد أثبتت هذه التجارب أنّ استرجاع العقول لا يعني بالضّرورة عودتها الجسدية، بل يكفي أحياناً خلق جسور فعّالة لتبادل الخبرات ونقل المعرفة.

أمّا في الحالة الجزائرية، فإنّ المؤشّرات الحالية تبدو مشجّعة، خاصّة في ظلّ الاهتمام المتزايد الذي توليه السلطات للابتكار والاقتصاد الرّقمي والمؤسّسات النّاشئة، فضلاً عن الإصلاحات التي مسّت قطاع التّعليم العالي والبحث العلمي، كما أنّ العديد من العلماء والخبراء الجزائريين بالخارج أبدوا خلال السنوات الأخيرة استعداداً للمساهمة في مشاريع وطنية، سواء عبر التأطير العلمي أو نقل التكنولوجيا أو الاستثمار في مجالات متخصّصة، وهو ما يؤكّد وجود رصيد بشري معتبر يمكن البناء عليه.

غير أنّ تحقيق الثّمار المرجوّة يقتضي أيضاً إزالة بعض العراقيل التقليدية المرتبطة بالبيروقراطية، وتعزيز استقلالية الجامعات ومراكز البحث، وتوفير بيئة اقتصادية أكثر جاذبية للمبادرات العلمية والابتكارية. فالمعرفة لا تزدهر في ظلّ التعقيدات الإدارية، بل تحتاج إلى فضاءات مرنة تسمح بسرعة اتخاذ القرار وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد الوطني.

إن استحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج يمثل، في جوهره، انتقالاً من منطق الشكوى من هجرة الكفاءات إلى منطق الاستثمار في الطاقات الوطنية المنتشرة عبر العالم؛ وهو تحوّل يعكس وعياً متزايداً بأنّ معارك التنمية والسّيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُحسم فقط بالموارد الطبيعية، بل بالقدرة على امتلاك المعرفة وإنتاج التكنولوجيا، وإذا نجحت الجزائر في تحويل هذا الرّصيد البشري إلى شبكة فاعلة ومؤثّرة، فإنّ المجلس الجديد لن يكون مجرد هيئة استشارية إضافية، بل قد يشكّل أحد مفاتيح بناء اقتصاد المعرفة وترسيخ السيادة التكنولوجية التي تراهن عليها الدّولة في مسارها التنموي الجديد.