انطلقت اليوم الأربعاء، أشغال إنجاز الشطر الجزائري لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) بأولف، ولاية أدرار، بعد أن صادقت الجزائر والنيجر ونيجيريا على  التقرير النهائي لدراسة الجدوى الخاصة بالمشروع، خلال  أشغال الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية.

أبرز مشروع طاقوي يربط إفريقيا بأوروبا

أعيد طرح مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي بدأ العمل عليه في سنة 2001، تزامنا مع أزمة طاقة أثارتها الحرب الروسية الأوكرانية في وقت بدأت فيه دول القارة الأوروبية في البحث عن بدائل للغاز الروسي.

وسيدخل الأنبوب كرافد جديد في معادلة الطاقة العالمية، ما يمنحه أهمية استراتيجية من شأنها تعزيز مكانة القارة السمراء على الصعيد الطاقوي.

وأكد وزير الدولة للموارد البترولية، بجمهورية نيجيريا الفيدرالية، إكبيريكبي إيكبو، أن المشروع يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لنيجيريا التي تمتلك احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي تقدر بنحو 215 تريليون قدم مكعب.

كما سيمسح الأنبوب بنقل وتثمين كميات إضافية من الغاز الطبيعي المنتج في الجزائر، لا سيما من الأحواض الغازية الحالية والمكتشفة حديثاً، وفي مقدمتها حوض أهنات، بما يعزز قدرات الجزائر التصديرية.

ويمتد الأنبوب على أكثر من 4000 كيلومتر، بطاقة نقل تتراوح بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، ما يجعله أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقوية في إفريقيا والعالم.

التباين الأمني بين حلقات الأنبوب.. الجزائر رافعة استراتيجية

يرتبط نجاح مشاريع البنية التحتية الطاقوية العابرة للقارات بوفرة المورد في دول المنبع، وأمن المسار حتى نقطة الوصول، وفي حالة مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، لعب الاستقرار الأمني للجزائر دورا بارزا، ليتحول من مجرد ميزة داخليّة إلى رافعة جيوسياسية حسمت جدوى المشروع ومستقبله.

ويشير المسار الجغرافي للمشروع إلى أن المعادلة الأمنية بين الدول الثلاث غير متكافئة، إذ تواجه دولتي المنبع والعبور نيجيريا والنيجر تحديات بنيوية ترتبط بنشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود في منطقة الساحل وحوض تشاد، ما لا يهدد فقط سلامة الأنبوب مادياً بعد تشغيله، بل يرفع من تصنيف المخاطر الاستثمارية لدى الممولين الدوليين أثناء مرحلة التخطيط والبناء.

لتبرز دولة المصب الجزائر، كمنطقة استقرار أمني ومؤسساتي صلب، ما يوفر للمشروع نقطة ارتكاز تمنح الضمانة المفقودة في الحلقات الأخرى، حيث تمتلك الجزائر عقيدة أمنية صارمة وخبرة متراكمة في تحييد المخاطر المحيطة بالمنشآت الحيوية في البيئات الصحراوية المعقدة، كما تنعم البلاد باستقرار أمني داخلي.

ومكّن الاستقرار الأمني للجزائر من صناعة موثوقية اقتصادية، بحيث يبحث رأس المال الدولي والمستهلك الأوروبي  عن تدفقات آمنة لا تخضع لمفاجآت الميدان.

وبما أن البنية التحتية وشبكة النقل الوطنية في الجزائر جاهزة وموصولة فعلياً بأوروبا، فإن الاستقرار الجزائري يوجه رسالة طمأنة للأسواق الأوروبية التي تعتبر الجزائر شريكا موثوقا في المجال.

ويتيح الاستقرار المؤسساتي للجزائر ممارسة دور الموازن الإقليمي، فهي تدرك أن تأمين الأنبوب يتطلب مقاربة تتجاوز البعد العسكري إلى البعد التنموي، وهو ما يفسر توجهها لربط دول الجوار بمشاريع موازية كالطرق الحيوية وشبكات الاتصال، لخلق بيئة حاضنة ومستفيدة اقتصادياً، تُسهم تلقائياً في حماية مسار الأنبوب.

ورغم أن وفرة الغاز في حقول نيجيريا تظل قيمة كامنة إلا أن الاستقرار الأمني والسياسي للجزائر هو الذي نقل المشروع من حيز الخطط النظرية المعرضة للمخاطر إلى حيز المشروع الاستراتيجي الممكن، لتصبح الجزائر هي الضامن الفعلي لتحويل ثروات القوة الإفريقية إلى طاقة تتدفق بثبات نحو الأسواق العالمية.

يجدر الذكر أن غياب الاستقرار الأمني أجهض مشاريع طاقوية كبرى على غرار أنبوب “تابي” الذي يربط صمم لنقل الغاز من تركمنستان عبر أفغانستان وباكستان إلى الهند، وكذا مشروع غاز “الدلتا” بموزمبيق الذي أُوقف بسبب الجماعات الإرهابية.

التجربة الجزائرية: ريادة الشرايين الطاقوية العابرة للقارات

لا يستند الثقل الجزائري في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى مجرد استقرار أمني، بل يرتكز على إرث تقني وتاريخي عميق يمتد لأكثر من نصف قرن، فالجزائر ليست وافدا جديدا على سوق هندسة الأنابيب العملاقة، بل هي الدولة التي هندست وشاركت في تشغيل أولى الشرايين الطاقوية التي ربطت إفريقيا بأوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يمنحها أفضلية تفوق بها شركاءها في المشروع.

وتُعد الجزائر من الدول السباقة لإطلاق مشاريع طاقوية عابرة للحدود والقارات، على غرار خط أنابيب “إنريكو ماتي” (ترانسميد) الذي يربط الجزائر بإيطاليا عبر تونس وصقلية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وخط “ميدغاز” المباشر نحو إسبانيا، وهما يمثلان براهين حية على قدرة الدولة الجزائرية (عبر مجمع سوناطراك) على إدارة مشاريع بمليارات الدولارات، والحفاظ على تدفقاتها طيلة عقود دون انقطاع، رغم كل التحولات السياسية والإقليمية.

كما تمتلك الجزائر، من خلال ذراعها الطاقوي “سوناطراك”، خبرة فنية وهندسية تجعلها قادرة على تقديم الدعم التقني والاستشاري لدول المنبع والعبور (نيجيريا والنيجر).

ولا تقتصر هذه الخبرة على مد الأنابيب فحسب، بل تشمل إدارة محطات الضغط العملاقة، وصيانة الشبكات في الظروف المناخية الصحراوية القاسية، والتعامل مع تحديات التآكل والضغط الفني، وهي مهارات تفتقر إليها بيئات طاقوية أخرى في المنطقة.

وتجمع التجربة الجزائرية بين مرونة الأنابيب البرية والبحرية، وريادتها العالمية التاريخية في مجالات إسالة الغاز وتصديره عبر الناقلات.

وبفضل هذه الشمولية في البنية التحتية، لا تقدم الجزائر لأنبوب الغاز العابر للصحراء مجرد مسار عبور، بل تقدم له منظومة طاقوية متكاملة تضمن معالجة الغاز النيجيري، وضغطه، وتوجيهه بأعلى كفاءة تسويقية ممكنة نحو الأسواق الدولية.