بينما تقترب الذكرى الخامسة لتوقيع “الاتفاق الثلاثي” في ديسمبر 2020، الذي شرعن العلاقات بين الرباط وتل أبيب، كشف تقرير تقني مفصل حصلت “أوراس” على معطياته، أن ما جرى خلال السنوات الخمس الماضية (2020-2025) لم يكن مجرد استئناف لعلاقات دبلوماسية فاترة، بل هو عملية “إعادة هيكلة” شاملة وعميقة لمفاصل الدولة المغربية، حولت البلاد إلى منصة ارتكاز للاحتلال الصهيوني في شمال إفريقيا.

التقرير الذي أعدته الحملة العالمية لمقاطعة الاحتلال وداعميه (قاطع) والذي حمل عنوان “تقرير تقني عام عن تطبيع الدولة المغربية مع الكيان الصهيوني”، يوثق بالأرقام والوقائع كيف تحول التطبيع من قرارات سياسية فوقية إلى “نظام علاقات جديد” يخترق السيادة الوطنية والأمن الغذائي والعقيدة العسكرية وحتى الذاكرة الجماعية، في وقت يواصل فيه الاحتلال حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

من الدبلوماسية إلى “الاندماج العضوي”

يخلص التقرير في مقدمته إلى أن الحالة المغربية فريدة من نوعها مقارنة بباقي الدول المطبعة؛ فهي لا تختزل في اتفاق دبلوماسي، بل تمثل مسار اختراق متعدد المستويات يشمل الدفاع والاقتصاد، والزراعة والتعليم وحتى الحقل الديني.

ويصف التقرير هذه العملية بأنها “تطبيع بنيوي بطيء” يعيد صياغة مفاهيم السيادة الوطنية والقرار الاقتصادي في ظل انفتاح مفرط.

ويؤكد التقرير أن الدافع الأساسي لهذا الاندماج كان مقايضة الاعتراف الأمريكي (ثم الصهيوني لاحقاً) بمغربية الصحراء مقابل فتح الأبواب المغربية على مصراعيها للنفوذ الصهيوني.

الانزلاق العسكري والاستخباراتي.. الأخطر والأعمق

لعل أخطر ما كشفه التقرير هو عمق التعاون العسكري الذي انتقل من السرية إلى المأسسة العلنية، جاعلاً المغرب أول دولة عربية توقع اتفاقية دفاع شامل مع الكيان الصهيوني في نوفمبر 2021.

وبحسب المعطيات الموثقة، فقد بلغت قيمة الصفقات الدفاعية الموقعة بين الطرفين خلال الفترة (2021-2024) أكثر من 2 مليار دولار.

إنفوغراف يُظهر آثار التطبيع أمنيا واقتصاديا وسياسيا

ولم تقتصر هذه الصفقات على الشراء، بل تعدتها إلى “التصنيع المشترك” الذي يرهن التسليح المغربي بالتكنولوجيا الصهيونية، حيث يتم العمل على إنشاء خطوط إنتاج للطائرات بدون طيار من طراز (Hermes 900) وأنظمة دفاعية متقدمة داخل المغرب، بهدف جعل المملكة مركز صيانة وتصدير إقليمي لأسلحة الاحتلال نحو إفريقيا.

وفي الشق الاستخباراتي، يشير التقرير إلى تعاون وثيق بين “الموساد” وأجهزة الأمن المغربية، يشمل تبادل المعلومات حول منطقة الساحل وغرب إفريقيا، بالإضافة إلى شراكات في الأمن السيبراني وبرامج التجسس (مثل بيغاسوس وغيره ضمنيا عبر شركات مثل NSO و Check Point).

ولم يقف التعاون عند الحدود النظرية، إذ رصد التقرير تواطؤاً لوجستياً خطيراً أثناء حرب الإبادة على غزة.

ففي الوقت الذي أغلقت فيه إسبانيا موانئها أمام السفن التي تحمل أسلحة للاحتلال، سمحت السلطات المغربية لسفينة “Maersk Denver” بالرسو في ميناء طنجة المتوسطي في نوفمبر 2024، رغم التقارير التي تفيد بحملها شحنات عسكرية موجهة لجيش الاحتلال، مما أثار موجة غضب شعبي عارم.

الأمن الغذائي في قبضة شركات الاحتلال

ينقل التقرير واقعاً مرعباً يهدد السيادة الغذائية للمغرب، حيث تحول القطاع الفلاحي إلى “مختبر تجريبي” للتقنيات الصهيونية.

وتكشف الأرقام سيطرة شبه مطلقة للشركات الصهيونية على مدخلات الإنتاج الحيوية:

– تسيطر شركتا “Hazera” و”Zeraim Gedera” الصهيونيتان على أكثر من 80% من سوق البذور في المغرب، خاصة بذور الطماطم.

– تستحوذ شركة “Netafim” على أكثر من 90% من سوق معدات الري بالتنقيط.والأخطر من ذلك، هو التفاف شركات الاحتلال على حملات المقاطعة العالمية (BDS). حيث استثمرت شركة “Mehadrin” (أكبر مصدر فواكه لدى الاحتلال) في زراعة الأفوكادو بالمغرب، بهدف تصدير المنتجات إلى الأسواق الأوروبية تحت علامة “صنع في المغرب”، للتحايل على المستهلك الأوروبي الرافض لمنتجات المستوطنات.

الاقتصاد والطاقة.. أرقام تتضاعف على وقع الدماء

رغم المجازر في غزة، سجل التبادل التجاري قفزات قياسية. ففي عام 2023 وحده، ارتفع حجم التجارة بنسبة 108% ليصل إلى 116.7 مليون دولار.

واستمر هذا المنحنى التصاعدي في الأشهر الأولى من 2024 بزيادة قدرها 64%.

وفي قطاع الطاقة، تغلغلت الشركات الصهيونية في مشاريع استراتيجية، حيث استحوذت شركة “Energean” على 45% من حقل الغاز البحري “أنشواس” بالعرائش، بالإضافة إلى مشاريع ضخمة للهيدروجين الأخضر تستهدف التصدير لأوروبا، مما يربط مستقبل الطاقة في المغرب بشركات الاحتلال.

“كيّ الوعي”.. التطبيع التربوي والثقافي

لم يغفل التقرير “القوة الناعمة” التي يستخدمها الاحتلال لاختراق الوجدان المغربي. فتحت شعارات “الذاكرة المشتركة” و”التسامح”، تم توظيف المكون اليهودي المغربي كجسر للتطبيع السياسي.

وتشير الأرقام إلى تدفق حوالي 70 ألف سائح إسرائيلي سنوياً (قبل 2024)، وتسهيل تملكهم للعقارات في المدن العتيقة.

كما تمتد الأذرع الصهيونية إلى المناهج التعليمية التي تم تعديلها لتخدم سردية “التعايش” بمعزل عن سياق الاحتلال والاستعمار، وإقامة مهرجانات مشتركة تسعى لغسل صورة الاحتلال عبر الفن والثقافة.

نظام يهرول ومجتمع يقاوم

يخلص التقرير في نهايته إلى تشخيص دقيق للحالة المغربية الراهنة، واصفاً إياها بـ “الازدواجية الحادة”: دولة تذهب بعيداً في تطبيع استراتيجي وتخضع لضغط التحالفات، ومجتمع حي يقاوم أخلاقياً وثقافياً دفاعاً عن فلسطين.

ويؤكد التقرير أن “إسرائيل” لم تعد مجرد شريك عابر للنظام المغربي، بل تحولت إلى “مزود استراتيجي” في بنية القرار التقني والأمني.

ويطرح التقرير سؤالاً مصيرياً برسم النخب والشعب في المغرب والمنطقة: هل يمكن تحقيق تنمية حقيقية أو حفاظ على الاستقرار في ظل هذا الارتهان الشامل لكيان استعماري وظيفته الأساسية هي زعزعة أمن المنطقة؟.

إن ما كشفه هذا التقرير يؤكد أن معركة التطبيع في المغرب ليست مجرد خلاف سياسي، بل هي معركة وجودية تتعلق بصميم السيادة الوطنية ومستقبل المنطقة المغاربية برمتها، التي يراد لها أن تكون حديقة خلفية للمشروع الصهيوني.