لم تعد مكافحة عصابات الأحياء في الجزائر تُختزل في التدخلات الأمنية أو الملاحقات القضائية بعد وقوع الجرائم، بل تتجه الدولة إلى تبني مقاربة أكثر شمولًا تقوم على منع تشكل هذه العصابات من الأساس، عبر معالجة العوامل التي تغذي انتشارها داخل الأحياء.

وفي هذا السياق، ترأس وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، الثلاثاء، اجتماع اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، خُصص لدراسة مشروع مخطط العمل الخاص بتنفيذ الاستراتيجية الوطنية، في خطوة تعكس توجهًا نحو إرساء سياسة عمومية طويلة المدى، تجعل الوقاية جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن.

وخلال الاجتماع، شدد الوزير على أن العمل الميداني لمواجهة عصابات الأحياء لم ينقطع، بل تواصل بشكل يومي من خلال جهود الأجهزة الأمنية والسلطات القضائية، موضحًا أن إعداد الاستراتيجية الوطنية لا يمثل بداية المعركة، وإنما إطارًا لتنظيمها وتوحيد جهود مختلف الفاعلين ضمن رؤية وطنية متكاملة.

وأكد أن مخطط العمل لم يُصمم ليكون وثيقة إدارية أو إعلان نوايا، بل خارطة طريق عملية تتضمن برامج قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم، وفق مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الجوانب الأمنية والاجتماعية والتربوية والثقافية والاقتصادية والرقمية.

ويعكس هذا التوجه تحولًا في فلسفة التعاطي مع الظاهرة، من التركيز على مواجهة نتائجها بعد وقوعها، إلى العمل على الحد من أسبابها قبل أن تتحول إلى تهديد للأمن المجتمعي، وذلك عبر تعزيز دور المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والهيئات المحلية، إلى جانب الأجهزة الأمنية والقضائية.

كما أبرز الوزير أن تأمين المواطن داخل الأحياء والفضاءات العمومية يتجاوز مفهوم حفظ النظام العام، ليصبح عنصرًا أساسيًا في تعزيز الجبهة الداخلية وترسيخ الأمن الوطني، معتبرًا أن نجاح الاستراتيجية لن يُقاس بعدد الخطط الموضوعة، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع من خلال حماية الشباب، واستعادة الأحياء كفضاءات آمنة، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وشهد الاجتماع نقاشًا بين أعضاء اللجنة الوطنية، الذين قدموا جملة من الاقتراحات الرامية إلى تطوير مخطط العمل وتحسين آليات تنفيذه ومتابعته، مع التشديد على أهمية التكامل بين الهيئات المركزية والمحلية لضمان تحقيق الأهداف المسطرة.

وفي ختام الأشغال، ثمّن وزير الداخلية مستوى النقاش والمساهمات المقدمة من مختلف القطاعات والهيئات المشاركة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستخصص لاستكمال الإجراءات اللازمة تمهيدًا للمصادقة الحكومية على الاستراتيجية، قبل الشروع في تجسيدها ميدانيًا بما يعزز الوقاية من عصابات الأحياء، ويحمي فئة الشباب، ويكرس الأمن المجتمعي وهيبة الدولة.