الانتخابات التشريعية في كل مرحلة من مراحلها تشكل دائما محطات مهمة في مسار تعزيز البناء المؤسساتي وترسيخ الممارسة الديمقراطية في الجزائر.
والرهان الأساسي القادم هو مدى النجاح في إرساء برلمان تعبئة وطنية يكون قادرا على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها البلاد والعالم.
ومن منظور حركة البناء الوطني، فإن أهمية هذا الاستحقاق لا تقتصر على تجديد التمثيل الشعبي، وإنما تتعلق أيضا بمدى قدرة المؤسسة التشريعية على الإسهام في تعبئة جهود الأمة نحو صناعة السياسات العمومية ومرافقة جهود الإصلاح والتنمية، فالمؤسسات القوية هي التي تضمن الاستقرار وتوفر الإطار اللازم لتحقيق التقدم، ومن هنا نحن نرى أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز ثقافة المسؤولية السياسية وتكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات الدستورية بما يخدم تعزيز التلاحم الوطني، والثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة من خلال ترسيخ المشاركة الواعية في صناعة المستقبل.

دور البرلمان في تعزيز الفعالية والاستجابة للمواطن
يمكن للبرلمان أن يؤدي دوره المحوري من خلال الارتقاء بالأمن القانوني الذي يضمن جودة التشريع ويعزز فعالية الرقابة والمتابعة لتنفيذ السياسات العمومية بما يحقق نتائج ملموسة للمواطنين، وإن التحدي اليوم لا يكمن في عدد القوانين التي ينبغي صدورها، وإنما في مدى انسجامها مع احتياجات المجتمع وقدرتها على معالجة الإشكالات الواقعية، كما أن الرقابة البرلمانية مطالبة بأن تكون أكثر ارتباطا بمؤشرات الأداء والنتائج، وتؤمن حركة البناء الوطني بأن البرلمان الفعال هو الذي يحافظ على التواصل المستمر مع المواطنين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ويحول انشغالاتهم إلى مبادرات تشريعية ورقابية عملية، وعندما يقترب العمل البرلماني من الواقع اليومي للمواطن فستعزز الثقة في المؤسسات وتتعمق الممارسة الديمقراطية بالشكل الذي يحقق الأمن الديمقراطي.
المشاركة الانتخابية وثقة المواطن
هناك ملاحظة عامة على المستوى العالمي، تتمثل في تراجع نسبة المشاركات الشعبية في الانتخابات، مما يستوجب جهدا كبيرا في تحليل سبب العزوف الانتخابي، ونعتقد بأن رفع نسبة المشاركة يبدأ من تعزيز ثقة المواطن في جدوى العملية الانتخابية وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث أثر حقيقي في حياته اليومية.
وهذا يقتضي تكريس الشفافية وتقديم برامج واقعية وتعزيز التواصل السياسي المسؤول، إضافة إلى تمكين المواطن من متابعة تنفيذ الالتزامات الانتخابية وتقييم الأداء العام للممثلين المنتخبين.
ونرى في حركة البناء الوطني بأن الأحزاب السياسية مطالبة بتفعيل أدوارها التأطيرية والتوعوية والاقتراب أكثر من انشغالات المجتمع بعيدا عن الموسمية السياسية، فكلما شعر المواطن بأن صوته يساهم في صناعة القرار وتحقيق التغيير الإيجابي ارتفعت مستويات المشاركة.
التعددية السياسية ودور الأحزاب
التعددية السياسية في الجزائر مكسب قديم، فقد شكلت الأحزاب السياسية حتى في الفترة الاستعمارية مجال ثراء واسع للحركة الوطنية، ثم بعد تكريسها في الدستور أصبحت عناصر القوة للنظام السياسي الجزائري الذي تطلع بيان نوفمبر أن تكون دولته دولة ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة في إطار مبادئ وقيم الأمة الجزائرية.
ونعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب أحزابا قوية تمتلك رؤى وبرامج وحلول واقعية، تكون قادرة على تأطير المجتمع والمساهمة في نقاشاته العمومية بصورة مسؤولة، وتؤمن حركة البناء الوطني بأن المنافسة السياسية الحقيقية يجب أن تدور حول الأفكار والمشاريع والبدائل القابلة للتنفيذ، بما يعزز جودة الحياة السياسية ويرفع مستوى الأداء المؤسساتي، وإن مستقبل التعددية مرهون بقدرة الفاعلين السياسيين على بناء الثقة وتغليب المصلحة الوطنية وتطوير أدوات العمل السياسي بما ينسجم مع تطلعات المجتمع.
الأولويات الاقتصادية للمرحلة التشريعية القادمة
نعتقد أن الأولوية العامة التي ينبغي أن ترعى خلال المرحلة القادمة ينبغي أن تصب لصالح التعبئة الشاملة بما فيها التعبئة الاقتصادية المعززة لحالة النمو الاقتصادي المنتج وخلق فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، كما أن دعم الاستثمار وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني وتسريع مسار التحول الرقمي وتحقيق الأمن الغذائي تشكل هي الأخرى محاور أساسية وأولوية لأي رؤية اقتصادية ناجحة، وترى حركة البناء الوطني أيضا أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية يتطلب توفير بيئة تشريعية مستقرة ومحفزة للمبادرة والاستثمار والابتكار، فالاقتصاد القوي يشكل القاعدة الصلبة لتحقيق التنمية الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة.

السياسات المعتمدة لتنويع الاقتصاد الوطني
لقد شهدت الجزائر خلال السنوات الأخيرة جهود مهمة في مجال تنويع الاقتصاد الوطني، وهو توجه استراتيجي تفرضه التحولات الاقتصادية العالمية ومتطلبات التنمية المستدامة، غير أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مرحلة إطلاق المبادرات إلى مرحلة تعظيم النتائج الاقتصادية الملموسة من حيث الإنتاج والتصدير والتشغيل، وفي هذا الصدد تقترح حركة البناء الوطني ضرورة تعزيز الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتطوير الصناعات التحويلية وتحسين مناخ الأعمال وتوسيع آليات التمويل الموجه للمؤسسات الناشئة والصغيرة والمتوسطة، والغاية من كل ذلك هو بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة التقلبات الخارجية وخلق الثروة داخل الوطن.
معالجة إشكالية البطالة
معالجة البطالة تتطلب رؤية شاملة تربط بين التعليم والتكوين والاقتصاد وسوق العمل، فالتحدي لا يتعلق فقط بتوفير مناصب شغل إضافية وإنما بإقامة منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج فرص عمل مستدامة تتوافق مع مهارات الشباب وتطلعاتهم، ورغم دعم الحركة لبرنامج الجزائر المنتصرة الذي يقوده السيد رئيس الجمهورية إلا أنها تدعو إلى ضرورة مراجعة منحة البطالة بشكل آخر ينسجم مع مشاريع دعم المقاولاتية والاقتصاد الرقمي والصناعات الجديدة والأنشطة المبتكرة مع ضرورة تعزيز برامج التكوين المتخصص وربطها باحتياجات السوق لأن الاستثمار في قدرات الشباب وتحويله إلى قوة إنتاج وإبداع يمثل أحد أهم مفاتيح التنمية الوطنية.
العدالة الاجتماعية وتشجيع الاستثمار
العدالة الاجتماعية والاستثمار عنصران متكاملان في الرؤى التنموية المتوازنة، فالعدالة الاجتماعية توفر الاستقرار والتماسك المجتمعي، بينما يسهم الاستثمار في خلق الثروة وفرص العمل وتحسين الموارد الاقتصادية للدولة، وترى حركة البناء الوطني أن المطلوب هو بناء سياسات اقتصادية تحفز المبادرة والإنتاج مع الحفاظ على فعالية شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر احتياجا، وعندما يتحقق هذا التوازن تصبح التنمية أكثر استدامة وتنعكس فوائدها على مختلف فئات المجتمع.
تحديات اجتماعية تستدعي معالجة تشريعية مستعجلة
هناك مجموعة من الملفات الاجتماعية التي تشكل تحديات راهنة تتطلب في شق منها مواكبة تشريعية مستمرة، وفي مقدمتها التشغيل والقدرة الشرائية والسكن وجودة الخدمات العمومية وآثار التحولات الرقمية والمجتمعية، فالواقع الاجتماعي يشهد تغيرات متسارعة تفرض تحديث الأطر القانونية بما يضمن حماية الحقوق وتحسين جودة الحياة وتعزيز فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وفي هذا الصدد تؤكد حركة البناء الوطني على أهمية اعتماد مقاربة استباقية تجعل التشريع مواكبا للتحولات وليس مجرد استجابة متأخرة عنها، لأن المجتمعات الناجحة هي التي تملك القدرة على التكيف مع المتغيرات وصناعة الحلول قبل تفاقم المشكلات.
الآليات الكفيلة بحماية المواطن من آثار التقلبات الاقتصادية
إن تحسين القدرة الشرائية يمثل أولوية وطنية بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالاستقرار الاجتماعي، وترى حركة البناء الوطني أن حماية القدرة الشرائية تقتضي تعزيز الإنتاج الوطني وتحسين فعالية شبكات التوزيع ومكافحة المضاربة والاحتكار ومواصلة دعم الفئات المستحقة وفق آليات أكثر كفاءة، كما أن تنشيط الاقتصاد ورفع مستويات الإنتاجية يبقى الضمانة الأساسية لتحسين الدخل وتعزيز القدرة الشرائية على المدى المتوسط والبعيد، والمطلوب هو معالجة الأسباب الهيكلية للضغوط الاقتصادية وليس الاكتفاء بالحلول الظرفية.
مقاربة لتطوير قطاعي التربية والصحة
نعتبر في الحركة بأن التربية والصحة يمثلان أساس التنمية البشرية، وأحد أهم مؤشرات نجاح السياسات العمومية، وفي هذا الإطار تدعو حركة البناء الوطني إلى تحديث المنظومتين عبر تحسين التسيير والرقمنة وتطوير التكوين المستمر عبر مختلف مناطق الوطن، كما نرى ضرورة إعطاء أولوية لاستثمار الموارد البشرية باعتبارها الركيزة الأساسية لأي إصلاح مستدام، فالرهان الحقيقي يتمثل في بناء منظومتين أكثر كفاءة وإنصاف واستجابة لاحتياجات المواطنين.
الشباب.. فاعل أساسي في التنمية وصناعة القرار
الشباب ليس موضوع للسياسات العمومية فقط وإنما هو شريك أساسي في صياغتها وتنفيذها، ولهذا ترى حركة البناء الوطني أن تمكين الشباب يمر عبر توسيع فرص المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودعم المبادرات الشبابية وتعزيز ثقافة الابتكار والمواطنة الفاعلة، وهو ما جسدته الحركة في غالبية هياكلها التنظيمية لأننا نؤمن أن فتح المجال أمام الكفاءات الشابة لتولي المسؤوليات وإبراز قدراتها يمثل استثمار استراتيجي في مستقبل البلاد.
أداء الدبلوماسية الجزائرية
تواصل الدبلوماسية الجزائرية أداء دور مهم في الدفاع عن المصالح الوطنية وتعزيز حضور الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي، وقد أثبتت الجزائر في العديد من المحطات قدرتها على الحفاظ على مواقف متوازنة تنطلق من مبادئ احترام السيادة وعدم الانحياز والحوار والحلول السلمية، وتنويع الشركات..الخ، وترى الحركة أن هذا الرصيد الدبلوماسي يشكل قاعدة مهمة لتعزيز مكانة الجزائر في عالم يشهد تحولات متسارعة، والمرحلة القادمة تقتضي مواصلة تطوير أدوات الحضور الدبلوماسي بما يخدم المصالح الوطنية الاستراتيجية.
التحديات الجيوسياسية
تواجه الجزائر تحديات متعددة ترتبط بالتحولات الأمنية والإقليمية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة والعالم، وتتطلب هذه التحديات تعزيز الجبهة الداخلية وتقوية القدرات الوطنية وتطوير أدوات الاستشراف الاستراتيجي والانفتاح على شراكات متوازنة تحفظ المصالح الوطنية، وتعتقد الحركة أن قوة الجزائر في هذه المرحلة تنبع من تلاحم أبنائها واستقرارها الداخلي وقدرتها على بناء مواقف مستقلة ومسؤولة، وهذا ما يسمح لها بالتعامل مع المتغيرات الدولية بثقة وفاعلية.
توظيف السياسة الخارجية لخدمة المصالح الاقتصادية
لقد أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية اليوم جزءا أساسيا من أدوات التنمية الحديثة، ومن هذا المنطلق ينبغي توظيف العلاقات الدولية لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الجزائرية واستقطاب الاستثمارات النوعية وتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار والتكوين، وتعتقد حركة البناء الوطني بأن السياسة الخارجية الناجحة هي التي تجمع بين الدفاع عن المبادئ الوطنية وتحقيق المصالح الاقتصادية والتنموية لأن الانفتاح المدروس على العالم يشكل فرصة لتعزيز النمو وتسريع وتيرة التنمية، وفي هذا الصدد نثمن في الحركة القدرة على تحويل مبدأ عدم الانحياز إلى مبدأ تنويع الشركات والشركاء في ظل الندية واحترام السيادة.
دور الجزائر الإقليمي في تعزيز استقرار محيطها
الجزائر تمتلك رصيدا تاريخيا وسياسيا يؤهلها في كل وقت للقيام بدور إيجابي في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، ويستند هذا الدور إلى مصداقيتها الدبلوماسية وتمسكها بالحوار والحلول السياسية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وترى حركة البناء الوطني أن المنطقة بحاجة إلى مقاربات جديدة تقوم على التعاون والتنمية المشتركة ومعالجة جذور الأزمات وليس فقط بالاكتفاء بإدارة تداعياتها، وستبقى الجزائر بحكم مكانتها وخبرتها طرف فاعل في دعم جهود السلم والاستقرار والتنمية في محيطها الإقليمي.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين