اعتادت الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والأحزاب السياسية والجمعيات المدنية على تنظيم ما يُعرف بـ(الجامعة الصّيفية)، وهي فضاء يجمع بين التّكوين والتّقييم والتّخطيط، ويتيح في الوقت نفسه قدراً من الترفيه والتّواصل الإنساني خارج الأطر الرّسمية، غير أنّ انتقال هذه الفكرة إلى الفضاء الزّاوي في الجزائر يمثّل تطوراً لافتاً يستحقّ الوقوف عنده، خاصّة بعد مبادرة زاوية سيدي علي أويحيى بمدينة تيزي وزو إلى تنظيم (الزّاوية الصّيفية)، بمشاركة مشايخ وعلماء وشخصيات فكرية وثقافيّة، في تجربة تبدو الأولى من نوعها بهذا الاسم وبهذا التصوّر.
إنّ أهمية هذه المبادرة لا تكمن في التّسمية فحسب، وإنّما في الدّلالة العميقة التي تحملها؛ فالزاوية التي ارتبط حضورها التّاريخي بالتّعليم القرآني والتّربية الرّوحية والإصلاح الاجتماعي، تعلن من خلال هذا النّشاط استعدادها لتجديد أدواتها التّواصلية والتّنظيمية، دون أن يعني ذلك التخلّي عن رسالتها الأصيلة. فالتّجديد هنا ليس في المضمون العقدي أو المنهجي، وإنّما في الوسائل وآليات صناعة الفعل التربوي.
ولعلّ أول أبعاد هذه المبادرة هو الانتقال من النّشاط الموسمي التقليدي إلى الفعل المؤسّسي المخطّط. فالزّاوية الصّيفية تتيح فرصة لتقييم حصيلة الموسم العلمي والتّربوي، ومناقشة التحدّيات، واستشراف البرامج المستقبلية، تماماً كما تفعل المؤسّسات الحديثة، وهو ما يعكس وعياً بأهمية التخطيط الاستراتيجي في العمل الدّعوي والتّربوي.
أمّا البعد الثّاني، فيتعلّق بإعادة تقديم صورة الزّوايا لدى الأجيال الجديدة، ففي ظلّ التحوّلات الاجتماعية والثّقافية التي يعيشها المجتمع الجزائري، باتت المؤسّسات الدّينية مطالبة بابتكار صيغ أكثر جاذبية للشّباب؛ ومن شأن الزّاوية الصّيفية أن تجمع بين حلقات العلم، واللّقاءات الفكريّة، والأنشطة الثّقافية، والبرامج التّرفيهية الهادفة، بما يجعل الانتماء إلى الفضاء الزّاوي تجربة متكاملة، لا تقتصر على التلقّي التّقليدي، بل تقوم على الحوار والتفاعل وبناء الشّخصية.
ويبرز كذلك البعد المجتمعي للمبادرة، إذ إنّ حضور شخصيات علمية وفكرية واجتماعية يوسّع دائرة تأثير الزّاوية، ويحوّلها إلى منصّة للحوار حول قضايا المجتمع، ويعيد إليها بعضاً من أدوارها التّاريخية بوصفها مؤسّسة للإصلاح والتّوجيه، لا مجرّد فضاء للتّعليم الدّيني؛ فالزّوايا الجزائرية عبر تاريخها كانت حاضرة في التّربية والتعليم، والإصلاح بين النّاس، والحفاظ على الهوية الوطنية، ومقاومة محاولات طمس الشّخصية الجزائرية، ومن ثمّ فإنّ تطوير أدواتها التّنظيمية يعدّ امتداداً طبيعياً لهذا الدّور.
ومن الإيجابيات المنتظرة لهذه التّجربة أنّها تعزّز ثقافة العمل الجماعي داخل الزّاوية، وتفتح المجال أمام تبادل الخبرات بين المشايخ والباحثين، كما تمنح الشّباب مساحة للتّعبير والمشاركة، وتكسر الصّورة النّمطية التي قد تحصر النّشاط الزّاوي في الدروس التّقليدية فقط، كما أنّ تخصيص وقت للتقييم الدّوري يسهم في تصحيح الأخطاء وتطوير الأداء، وهو أمر تفتقده أحياناً بعض المؤسّسات الدّينية التي يغلب عليها الطابع الفردي.
ومن الإيجابيات أيضاً أنّ هذه المبادرة قد تسهم في بناء جسور التّواصل بين الزّوايا ومحيطها الجامعي والثّقافي، فتلتقي الخبرة الشّرعية مع الخبرة الأكاديمية، ويصبح الحوار بين العلماء والباحثين والمثقّفين أكثر انتظاماً، بما ينعكس إيجاباً على الخطاب الدّيني الوسطي الذي تحتاجه المجتمعات المعاصرة.
غير أنّ نجاح التّجربة يبقى مرهوناً بعدّة شروط؛ في مقدّمتها ألّا تتحوّل (الزّاوية الصّيفية) إلى مجرّد مناسبة احتفالية أو إعلامية، بل إلى محطّة علمية وتربوية حقيقية ذات أهداف واضحة، وبرامج قابلة للتّقييم، ومخرجات عملية، كما ينبغي أن تحافظ على خصوصيتها الرّوحية، فلا تنجرف نحو تقليد النّماذج المؤسّسية تقليداً شكليّاً يفقدها هويتها، بل تستثمر الوسائل الحديثة لخدمة رسالتها الأصيلة.
ويبقى السّؤال المطروح: هل ستسير زوايا أخرى على النهج نفسه؟
الرّاجح أنّ التّجربة، إذا أثبتت نجاحها واستمراريتها، ستجد صدى لدى عدد من الزّوايا الجزائرية، خاصّة تلك التي تمتلك حضوراً علمياً واجتماعياً واسعاً، وتسعى إلى تطوير أساليب عملها، فالعمل المؤسّسي أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر، كما أنّ تبادل التّجارب النّاجحة بين المؤسّسات أصبح من سمات التطوّر التنظيمي، وقد نشهد خلال السّنوات القادمة تنوعاً في الصّيغ، فتظهر مدارس صيفية، أو ملتقيات تربوية موسميّة، أو مخيّمات علمية تحمل خصوصية كل زاوية وبيئتها.
وفي المقابل، قد تتردّد بعض الزّوايا في تبني الفكرة، إمّا تمسّكاً بالأساليب التّقليدية، أو لاعتبارات الإمكانات البشرية والمالية، أو خشية أن يُفهم التّجديد على أنّه خروج عن المألوف، غير أنّ التّاريخ يؤكّد أنّ المؤسّسات التي استطاعت البقاء والتّأثير هي تلك التي حافظت على ثوابتها، مع مرونة في الوسائل واستجابة واعية لتحوّلات المجتمع.
في المحصّلة، لا تبدو (الزّاوية الصّيفية) مجرّد تسمية جديدة لنشاط موسمي، بل قد تمثّل مؤشّراً على بداية مرحلة جديدة في مسار الزّوايا الجزائرية، عنوانها الانتقال من المحافظة السّلبية إلى التّجديد الواعي، ومن الفعل التّقليدي إلى العمل المؤسّسي، دون التّفريط في الرّسالة الرّوحية والعلمية التي شكّلت جوهر الزّوايا عبر القرون، وإذا أحسن استثمار هذه المبادرة، فإنّها قد تصبح نموذجاً وطنياً يعيد تأكيد قدرة المؤسّسات الدّينية الأصيلة على التجدّد، والإسهام في بناء الإنسان، ومواكبة متطلّبات العصر، مع الوفاء لثوابت الهوية الجزائرية.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين