لقد حاولت استقراء الواقع الانتخابي من خلال استجواب العديد من الأشخاص من ولايات متفرقة (سطيف، الجزائر العاصمة، تلمسان، الشلف، بجاية..)، والتوجه العام يفضي إلى أن الحملة الانتخابية الحالية تُوصف بأنها الأضعف منذ سنوات، بل باردة وشبه منعدمة في معظم المناطق.لا وجود للزخم الشعبي المأمول، ولا الحماس الحقيقي كان في الموعد.
اقتصرت النشاطات على حملات جوارية محدودة، وصور على وسائل التواصل (استعمال الذكاء الاصطناعي في إنشاء صور الدعاية)، واجتماعات داخل المكاتب أو المقاهي أو المنازل، مما يوحي أن الجمهور غير معني، والمترشحون أنفسهم يتحركون باحتشام.
إذن، تتلخص الحملة الانتخابية لهذا العام في حملات جوارية، وتعليق للصور، ونشر واسع على وسائل التواصل الاجتماعي التي استطاعت تضخيم الواقع.
ما قبل الحدث.. أو اللاحدث؟
رغم تقديم بعض الأحزاب لبرامج انتخابية عكفت على بلورتها منذ مدة، على غرار حركة مجتمع السلم (برنامج ثقة)، إلا أن مضامين الخطاب الانتخابي لم تكن في مستوى الرهانات والتحديات، بحيث إن الطابع العام اعتراه التكرار والسطحية والشعارات الجوفاء التي كرست للشعبوية، ومحاولة صناعة تريندات تكتسح وسائل التواصل الاجتماعي (موضوع المقارنة بين 50 يورو و3000 دينار)، وما أفرزته من ردود أفعال.
أولئك الذين سألناهم عن الخطاب الانتخابي أكدوا لنا كثرة الوعود غير الواقعية، وما يتجاوز حدود صلاحيات النائب البرلماني، وخطابات بلباس الاستعطاف والرمزية الوطنية والدينية، وغياب برامج سياسية حقيقية، وقد يعبر هذا الأمر عن انخفاض مستوى النخب الحزبية.
بالنسبة للمترشحين، ما هو ملاحظ أن أغلبهم ليسوا سياسيين محترفين، بل ناشطون مدنيون، وإطارات قطاعية، أو أحرار بدون ماضٍ نضالي.
خلص العديد ممن سألناهم إلى أن الدافع قد يكون ضمان مشوار مهني ومكانة اجتماعية تضمن الولوج إلى مزايا مادية ومكاسب معنوية، رغم أن عهدة النائب محدودة.
بالنسبة للتفاعل الشعبي والاستقطاب، يبدو أنه ضعيف جداً، وفي أحيان كثيرة منعدم. وبالتالي اقتصرت مستويات التفاعل في دوائر ضيقة مثل العائلة والأصدقاء والمناضلين الحزبيين.
ومن هذه اللوحة التي قد تبدو قاتمة بالنسبة للفعل الانتخابي، بدأت مخاوف العزوف تتشكل، وانعدام الاهتمام بالحدث الانتخابي، في خضم الانشغال بالحياة اليومية، ومباريات كأس العالم، بالإضافة إلى التحضير للعطل الصيفية.
تعكس الآراء إحباطاً عاماً وقطيعة بين الطبقة السياسية والمجتمع. الحملة لا تُعتبر حدثاً سياسياً حقيقياً بقدر ما هي طقوس روتينية يشارك فيها عدد محدود لأسباب شخصية أو مصلحية، بينما يتابع الأغلبية الساحقة من المواطنين الحدث بسخرية أو تجاهل كامل.
ما بعد الانتخاب.. خلاصات واستنتاجات
ما كان متوقعاً فقد حدث، أي أن العزوف الانتخابي الذي كان الجميع يتوجس منه، فقد تعمق أكثر من أي وقت مضى، حسب النتائج الأولية، في انتظار معاينتها من طرف المحكمة الدستورية. وأسفرت النتائج الأولية عن نسبة مشاركة بلغت 21.24 بالمائة، أي أن 78.76 بالمائة من الناخبين لم يشاركوا في هذه الانتخابات.
بالنسبة لعدد المقاعد المتحصل عليها، فقد تراجعت عدة أحزاب في عدد المقاعد، ولعل الحزب الأكثر تضرراً هو حركة مجتمع السلم التي حازت على 43 مقعداً، بعدما كان رصيدها 65 مقعداً في العهدة الفائتة.
ثمة عدة نقاط يمكن استخلاصها من العملية الانتخابية، من الزاوية السوسيولوجية والأنثروبولوجية:
- أزمة الشرعية وانعدام الثقة الهيكلية بالديمقراطية
يكشف لنا هذا الوضع عن نزعة عميقة لفقدان الشرعية تجاه المؤسسات الانتخابية. لم تعد الانتخابات تُنظر إليها كآلية للتغيير أو التمثيل، بل كطقس شكلي مجرد من المعنى. هذا الانعدام للثقة ليس ظرفياً، بل هو جزء من مسار طويل من خيبة الأمل التي أعقبت مراحل عديدة من تاريخ الجزائر المعاصر. هناك عزوف واسع النطاق بين المواطنين العاديين، وهو أمر شائع في المجتمعات التي يُنظر فيها إلى المشاركة السياسية على أنها غير فعالة أو مُتلاعب بها.
فمن كان يرى في العزوف الانتخابي مجرد لامبالاة فهو واهم، ولا يفقه عمق المجتمع الجزائري، بل هو شكل من أشكال التعبير السياسي، لتعويض الفراغ الملاحظ في فضاءات التعبير.
- الانفصال بين النخب السياسية والمجتمع
هناك فجوة اجتماعية وثقافية واضحة بين الشرائح الاجتماعية المختلفة والطبقة السياسية (حتى لو كانت “مدنية” أو منتمية إلى المجتمع المدني)، يُنظر إليها على أنها انتهازية وأنانية. يُعبَّر عن هذا الانفصال من خلال لامبالاة واعية وسخرية (التهكم على وسائل التواصل الاجتماعي). نشهد اليوم شكلاً من أشكال الخصخصة، إذ يُعيد المواطنون تركيزهم على شؤون الأسرة والمجال الاقتصادي، متخلين عن المجال السياسي العام، وهذه الظاهرة ليست وليدة البارحة، بل تمتد لعقود مضت، نتجت عن حلقات معاناة المجتمع.
- المحسوبية ومنطق المكانة بدلاً من المشروع السياسي
بحيث يُنظر إلى المرشحين (بمن فيهم المستقلون) في الغالب على أنهم منخرطون في سباق محموم نحو المنفعة والحماية، بدلاً من خوض غمار مشروع سياسي: السياسة كوسيلة للوصول إلى الموارد (الاقتصادية والرمزية والعلائقية) بدلاً من كونها فضاءً للنقاش البرامجي. ويُعزز غياب “تاريخ من النشاط السياسي” لدى العديد من المرشحين هذا التفسير.
وهنا يجدر بنا الحديث عن عواقب تشكل مجلس نيابي مكون من أشخاص ليس لديهم أي تكوين سياسي أو سوابق نضالية، ما ينتج عنه ضعف المؤسسات وتعطيل عملية صنع القرار، بالإضافة إلى مغبة هيمنة مفرطة للجهاز التنفيذي، مما يُهمّش النقاش البرلماني وحرية مبادرة المجلس في اقتراح القوانين، وتمرير مشاريع قوانين دون تمحيص دقيق.
يؤدي تآكل الثقافة السياسية والتكوين السياسي والنضالي لدى أعضاء المجلس النيابي إلى عدم القدرة على التوصل إلى حلول وسط بشأن الإصلاحات، وحوكمة مفككة أقل فعالية في مواجهة الأزمات (الاقتصادية، المناخية، الجيوسياسية)، بالإضافة إلى تصاعد الاستقطاب وقلة الاحترام. والأدهى والأمر من كل هذا تراجع ثقة الجمهور والنفور من الديمقراطية، بحيث يدرك المواطنون سريعاً غياب الجدية والكفاءة والنزاهة، بالإضافة إلى انعدام ثقة واسع النطاق بالنخب السياسية، التي يُنظر إليها على أنها منفصلة عن الواقع أو انتهازية، وتزايد الامتناع عن التصويت، والتصويت الاحتجاجي، ودعم الشعبويين.
رغم محاولات الجهاز التنفيذي في تعديل القوانين (الانتخابات، الأحزاب)، لأخلقة العمل السياسي، وتحجيم تأثير المال الفاسد في الاستحقاقات الانتخابية والمعاملات السياسية.
- تحوّل أشكال التعبئة
انحصرت الحملة الانتخابية في الشبكات الأساسية (العائلة والأصدقاء والزملاء)، وحضور ضعيف على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا يُشير إلى ضعف التعبئة الجماعية واسعة النطاق، وإلى فردية السلوك السياسي (Individualisation des conduites politiques). وتُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للسخرية الجماعية أكثر من استخدامها للتعبئة.
من الجانب الأنثروبولوجي، أضحى الفعل الانتخابي طقوساً جوفاء، وقد أُفرغ من محتواه السياسي والقيمي، وفقد المعنى الرمزي، ولذلك تبدو هذه الانتخابات كطقس عبور منحط أو شعيرة شكلية. فهي تحتفظ بشكلها (ملصقات، اجتماعات، خطابات)، لكنها فقدت فعاليتها الرمزية وقدرتها على إنتاج معنى جماعي، لتجسيد الإرادة الشعبية وبلورة وعي سياسي يدعم ويوجه المؤسسات والسلوك.
تتجلى ثقافة سياسية متجذرة من انعدام الثقة. في هذا السياق، يتخذ المواطن الجزائري موقف المتفرج الساخر في مواجهة السلطة.
بالنسبة للخطاب السياسي، تُعتبر الوعود مجرد كلمات جوفاء (“وعد من لا يملك لمن لا يملك”). يعكس هذا تراجعاً في قيمة الخطاب السياسي من منظور أنثروبولوجي. فقدت اللغة السياسية قوتها التأثيرية، وأصبحت أداة إغراء مؤقتة بلا أي قيمة ملزمة.
تجدر الإشارة هنا أيضاً إلى تحول ملفت للنظر في المخيلة الجماعية، ويبدو أن صورة “ممثل الشعب” أو “النائب المناضل” قد استُبدلت بصورة السياسي الانتهازي. ثمة خيبة أمل تجاه السياسة؛ لم تعد مجالاً للإنجاز الجماعي أو التحول الاجتماعي، بل أصبحت لعبة محصلتها صفر أو مسرحية هزلية غير مقنعة.
الخلاصة العامة
من خلال هذا المشهد الانتخابي، يصور لنا مجتمعاً ينسحب من طبقته السياسية. من الناحية السوسيولوجية، نواجه أزمة تمثيل مصحوبة بتراجع ملحوظ في الحراك المدني. ومن الناحية الأنثروبولوجية، يُمثل هذا فقداناً لقدسية اللحظة الانتخابية؛ فلم تعد الانتخابات تُؤدي دورها في إعادة بناء الروابط الاجتماعية رمزياً، أو كوسيلة لإضفاء الشرعية على السلطة، أو إعادة بعث الأمل المجتمعي.
لا يقتصر هذا الوضع على الجزائر وحدها، ولكنه يكتسب أهمية خاصة هناك نظراً لتاريخها السياسي المعاصر (فشل تجارب التحول الديمقراطي، واستغلال الطاقة، والتفكك الاجتماعي). ويطرح هذا تساؤلاً حول ما إذا كنا نتعامل مع ديمقراطية شكلية خالية من جوهرها الديمقراطي، أم مع مجتمع طوّر آليات ثقافية وقائية للانفصال عن نظام يُنظر إليه على أنه ثابت لا يتغير.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين