كلّما اقتربت ذكرى 20 أوت، تعود الجزائر إلى واحدة من أكثر محطّاتها التّاريخية كثافة: هجومات الشّمال القسنطيني سنة 1955، ثمّ مؤتمر الصّومام في 20 أوت 1956. وفي العادة، تستعيد الذّاكرة الوطنية هذه المناسبة عبر سرد أسماء القادة، ومكان انعقاد المؤتمر، والظّروف الأمنية المحيطة به، ثمّ تعداد قراراته الكبرى: إعادة تنظيم الثّورة، تقسيم البلاد إلى ولايات، هيكلة جيش التّحرير، إنشاء هيئات قيادية وتنسيقية، وترتيب العلاقة بين السّياسي والعسكري وبين الدّاخل والخارج.
كلّ ذلك صحيح، ومهم، ولا يجوز أن تسقط الذّاكرة في النّسيان. لكن ربما آن الأوان لأن نطرح سؤالاً آخر: ماذايعني الصّومام للجزائري اليوم؟
فالأحداث التّاريخية لا تعيش فقط في الكتب والمناسبات الرسمية؛ قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحوّل إلى أسئلة راهنة، والصّومام، بهذا المعنى، ليس مجرّد اجتماع لقادة ثورة في قرية إيفري أوزلاقن، بل تجربة جزائرية مبكرة في الانتقال من إرادة التّحرير إلى فن إدارة مشروع وطني معقّد.
كان التحدّي الذي واجهته الثّورة في 1956 واضحاً: لم يعد يكفي أن تكون هناك مقاومة مسلّحة؛ كان المطلوب أن تتحوّل المقاومة إلى تنظيم قادر على الاستمرار، واتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات، وتوحيد الجهود، وإدارة العلاقة بين السّياسي والعسكري، وبين الدّاخل والخارج. ولهذا جاء الصّومام ليضع الثّورة أمام مرآة تنظيمية قاسية: ماذا حقّقنا؟ أين توجد الاختلالات؟ من يقرّر؟ كيف ننسّق؟ وكيف نحوّل تعدد المناطق والقيادات إلى قوّة واحدة؟، هذه الأسئلة تبدو، بعد سبعين عاماً، أقلّ تاريخية ممّا نعتقد.
فالجزائر المعاصرة لا تواجه استعماراً ولا تخوض حرب تحرير، لكنّها تواجه تحدّياً من نوع آخر: كيف تتحوّل شرعية التّاريخ إلى كفاءة في الحاضر؟ وكيف تصبح الدّولة التي خرجت من رحم ثورة كبرى قادرة على إنتاج مؤسّسات تستجيب لتحوّلات المجتمع والاقتصاد والعالم؟، هنا تكمن إحدى أهم ظلال الصّومام.
لقد كان المؤتمر، في أحد أبعاده، محاولة للانتقال من ردّ الفعل إلى التّخطيط؛ فالوثائق الرّسمية التي تتناول المؤتمر تؤكّد أنّه جاء لتقييم المرحلة الأولى من الثّورة ووضع استراتيجية موحّدة وإعادة هيكلة التّنظيم السّياسي والعسكري
وهذه ربّما أولى رسائل الصّومام إلى حاضرنا: “الأوطان لا تُدار بالنّيات وحدها، ولا بتاريخها المجيد، وإنّما بالقدرة على التّنظيم والتّقييم وتصحيح المسار”.
كان قادة الثّورة، وهم في قلب حرب شديدة القسوة، يعرفون أنّ استمرار الثّورة يتطلّب أكثر من الشّجاعة. احتاجوا إلى مؤسّسات وهياكل وآليات تنسيق، وحين نقارن ذلك بواقع اليوم، يصبح السّؤال أكثر إلحاحاً: هل نستطيع نحن أيضاً أن نمارس فضيلة التّقييم الجماعي؟ هل نملك الجرأة على الاعتراف بمواطن الخلل قبل أن تتحوّل إلى أزمات؟ وهل ننظر إلى الإدارة والمؤسّسة باعتبارهما أدوات لبناء الدّولة، لا مجرّد هياكل بيروقراطية؟
ومن زاوية أخرى، يفتح الصّومام نقاشاً بالغ الأهمّية حول العلاقة بين السّياسي والعسكري، لقد كان المؤتمر، في ظروف الثورة، معنياً بتحديد الأدوار وترتيب العلاقات داخل منظومة الكفاح. ولم يكن الأمر تفصيلاً تقنياً، بل كان متعلقاً بالسؤال المركزي: كيف تُدار قضية وطنية كبرى عندما تتعدد مراكز القوة وتختلف الظروف والمواقع؟
اليوم، لا ينبغي إسقاط تلك التجربة حرفياً على واقع مختلف جذرياً، لكن يمكن استلهام مبدئها الأعمق: وضوح الصّلاحيات شرط للاستقرار، وتكامل المؤسّسات أقوى من تنازعها، والمشروع الوطني يحتاج إلى قواعد واضحة في صناعة القرار، ثمّ هناك درس آخر ربما يكون أكثر راهنية: الدّاخل والخارج.
كانت الثّورة مطالبة في الخمسينيات بأن تنظّم العلاقة بين العمل داخل الجزائر والعمل الدّبلوماسي والسّياسي خارجها، وأن تحوّل القضيّة الوطنية من مواجهة محلّية إلى قضية دولية، وقد ساهمت الثّورة، عبر العمل السّياسي والدّبلوماسي، في إيصال القضية الجزائرية إلى المحافل الدولية.
اليوم تغير العالم، لكن السّؤال لم يتغير تماماً؛ فالجزائر تحتاج إلى التّوفيق بين قوّتها الدّاخلية وحضورها الخارجي، بين مصالحها الوطنية وقدرتها على التّأثير في محيطها الإقليمي والدّولي، وفي عالم أصبحت فيه الصّورة والمعلومة والدّبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية الدينية وأيضا الرياضية، والطّاقة والأمن والغذاء والتّكنولوجيا عناصر من عناصر القوّة، لم يعد كافياً أن تمتلك الدّولة تاريخاً عظيماً؛ عليها أن تعرف كيف تحوّل ذلك الرّصيد التّاريخي إلى نفوذ ومصلحة وقدرة على المبادرة، طبعا، لا نتجاوز ما هو محقّق في راهنية الدّولة اليوم من حضورها في المشهد الدّولي والإفريقي والإقليمي وهو ما نشيد به وندعو إلى تعميقه أكثر بما يحقّق الغاية والمبتغى.
ولعلّ أكثر ما يمكن أن نستخلصه من الصّومام هو أنّ الثّورة لم تكن مشروعاً عاطفياً فقط، كانت أيضاً مشروعاً عقلانياً في التّنظيم، وهذه نقطة تستحقّ التوقف طويلاً، لأنّنا كثيراً ما نختزل ثورة نوفمبر في البطولة والتّضحية، بينما كان أحد أسباب انتصارها أيضاً قدرتها على بناء شبكات تنظيم، وهياكل، وقواعد للعمل، وتوزيع للمهام.
ومن هنا يصبح إحياء 20 أوت فرصة لسؤال مختلف: هل ورثنا من الثّورة روح التّضحية فقط، أم ورثنا أيضاً ثقافة التّنظيم؟
هل نستطيع، مثلاً، أن نربط الوطنية اليوم بالعمل والإتقان واحترام الوقت والمال العام؟ هل يمكن أن يصبح حبّ الوطن مرادفاً لتحسين المدرسة والمستشفى والإدارة والجامعة والمصنع؟ وهل يمكن أن تنتقل عبارة “خدمة الوطن” من الخطاب الاحتفالي إلى مفهوم يومي يقاس بالنتائج؟، هذه الأسئلة ليست خروجاً عن روح الصّومام، بل ربما هي أقرب ما يكون إلى جوهرها.
فالقادة الذين اجتمعوا في إيفري لم يجتمعوا لكي يحتفلوا بما تحقّق، وإنّما لأنّهم أدركوا أنّ المرحلة الجديدة تتطلّب أدوات جديدة، وهذا تحديداً ما يحتاجه الحاضر: ألّا تتحوّل الذّاكرة إلى متحف مغلق، وألّا يصبح التّاريخ مجرّد مخزون من الخطب والأكاليل والصّور.
إنّ تكريم الذين صنعوا الاستقلال لا يكون فقط بتكرار أنّهم كانوا عظماء، وإنّما بمحاولة فهم لماذا كانوا عظماء؟
كانوا عظماء لأنّهم عرفوا أنّ الأهداف الكبرى تحتاج إلى تنظيم كبير، وأنّ وحدة الصف ليست شعاراً، بل قواعد وآليات، وأنّ اختلاف الرّؤى لا ينبغي أن يمنع البحث عن نقطة التقاء، وأنّ النّجاح في معركة اليوم لا يعفي من التفكير في معركة الغد.
لهذا، فإنّ 20 أوت 1956 يمكن أن يكون أكثر من ذكرى. يمكن أن يكون موعداً سنوياً لمراجعة علاقتنا بالدّولة والمؤسّسة والقرار والعمل الجماعي؛ وقد يكون السؤال الأجدر بطرحه في هذه الذّكرى ليس: ماذا فعل رجال الصومام؟ فقد أجابت كتب التاريخ عن ذلك، السّؤال الأهم هو: ماذا كنّا سنفعل لو كنّا مكانهم؟، هل كنّا سنملك شجاعتهم في مواجهة الخطر؟ نعم، ربما.
لكن هل كنّا سنملك شجاعتهم الأخرى: شجاعة الجلوس حول طاولة واحدة، وتشخيص الاختلالات، وترتيب الأولويات، وتوزيع المسؤوليّات، ووضع قواعد لمشروع يتجاوز الأشخاص؟، هنا بالضّبط يصبح الصّومام معاصراً.
فالتّاريخ الذي لا يغيّر شيئاً في حاضر أصحابه يتحوّل إلى ذكرى؛ أمّا التّاريخ الذي يجعل الحاضر أكثر وعياً بذاته، وأكثر قدرة على نقد أخطائه، وأكثر استعداداً لبناء المستقبل، فإنّه يتحوّل إلى قوّة حيّة.
وفي ذكرى الصّومام، ربّما تكون أفضل تحيّة للذين اجتمعوا في إيفري قبل سبعين عاماً أن نسأل أنفسنا، لا عن عظمتهم فقط، وإنّما عن قدرتنا نحن على أن نكون جديرين بما صنعوه.
فالاستقلال الذي تحقّق في 1962 كان نهاية معركة التّحرير، لكنّه لم يكن نهاية معركة بناء الجزائر.
وربّما كان هذا هو الظّل الأطول الذي تركه الصّومام وراءه: أن تحرير الوطن يحتاج إلى ثورة، أما بناء الوطن فيحتاج إلى مؤسسات، وعقل جماعي، ونقد ذاتي، وانضباط، وقدرة دائمة على إعادة تنظيم الأولويات.
وهذه، أكثر من أيّ سرد احتفالي، هي الرّسالة التي يمكن أن تجعل من 20 أوت تاريخاً يعيش معنا، لا تاريخاً نعود إليه مرّة واحدة كل عام.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين