لنكن واضحين من البداية: المدرسة ليست مجرّد مبنى فيه أقسام وسبّورات، ولا هي مؤسّسة تختصر في تلقين الدّروس وتنظيم الامتحانات، والتّربية كذلك ليست قطاعا إداريا يُدار بالمناشير والتّعليمات، ولا حتّى بإصلاحات ظرفيّة نغيّر بها برنامجا أو نضيف مادّة.

الحقيقة الأعمق، أنّ المدرسة والتّربية هما مرآة المشروع الحضاري الذي تريده الأمّة لنفسها، فالمواطن يولد في قلب القسم، والقيم تتشكّل هناك، وقبل أن ننتبه، نجد أنفسنا أمام مجتمع كامل صُنعت ملامحه من أبناء جلسوا على تلك المقاعد قبل عشرين أو ثلاثين سنة.

ولهذا، حين ننظر إلى الأمم التي صنعت نهضتها، نكتشف أنّها لم تبدأ بالإصلاحات الصّغيرة: لا بتغيير كتاب التّاريخ، ولا بزيادة حصّة في الرّياضيات، ولا بترتيب آخر للجداول الأسبوعية، بل بدأت بسؤال أكبر وأخطر: (أي إنسان نريد أن نصنع؟) فالمناهج واللّغات والبرامج كلّها أدوات، أمّا الغاية فهي الإنسان نفسه، إذا لم تكن لدينا صورة واضحة لهذا الإنسان، تظلّ الإصلاحات مجرّد ترقيعات مبعثرة، قد تعطي انطباعا بالحركة، لكنّها لا تبني رؤية وطنية راسخة.

ومن هنا، أظن أنّنا في الجزائر بحاجة إلى أن نقفز فوق منطق الإصلاحات الجزئية، وننتقل إلى منطق التّأسيس، لا نحتاج فقط إلى أن نعالج ثغرة هنا أو مشكلة هناك، بل نحتاج إلى أن نبني فلسفة تربوية كاملة.

القضية ليست: هل نقدّم هذه المادّة أم نؤجّل تلك؟ ولا أيّ لغة نعتمد على حساب لغة أخرى؟

القضية الكبرى هي: ما المشروع التّربوي الذي يحدّد صورة المواطن الجزائري الذي نريد أن تخرّجه المدرسة في منتصف القرن الحالي؟

والتّجارب البشرية في العالم تؤكّد هذا الكلام، خذوا مثلا تقرير لجنة جاك ديلور الشّهير الذي أصدرته اليونسكو سنة 1996 بعنوان: (التعلّم: ذلك الكنز المكنون) اللّجنة خلصت إلى أنّ التربية في القرن الحادي والعشرين يجب أن تقوم على أربعة أسس لا تتجزّأ: (التعلّم للمعرفة، والتعلّم للعمل، والتعلّم للعيش معا، والتعلّم لنكون)، لاحظوا أنّ التقرير لم يكن يتحدّث عن إعادة ترتيب المواد الدّراسية، بل كان يعيد تعريف وظيفة المدرسة نفسها، فالمدرسة اليوم ليست مصنعا للحافظين، بل مكانا لتكوين إنسان يستطيع أن يتعلّم طوال حياته، وأن يعمل بإنتاج، وأن يتعايش مع الآخرين، وأن يبني شخصيّة حرّة ومسؤولة.

وبعد خمسة وعشرين عاما، عادت اليونسكو في تقريرها (إعادة تصوّر مستقبلنا معا: عقد اجتماعي جديد من أجل التربية) -2021- لتعميق هذه الرّؤية، فنبّه التّقرير إلى أنّ التربية لم تعد مسألة تقنية تخصّ الوزارات والإدارات، بل أصبحت قضية حضارية بامتياز، تتعلّق بمستقبل الدّيمقراطية والعدالة الاجتماعية والبيئة والثّورة الرّقمية والذّكاء الاصطناعي، وذهب أبعد من ذلك، حيث دعا إلى بناء عقد اجتماعي جديد يجعل التّعليم مسؤولية الجميع: الدّولة والمجتمع، ويؤسّس لمدرسة قادرة على إعداد الإنسان لعالم يتغير بسرعة.

وهنا يبرز السّؤال الذي ينبغي أن يكون نقطة انطلاق كل إصلاح تربوي في الجزائر: (أي إنسان تريد الجزائر أن تربيه بحلول عام 2050؟)

الإجابة عن هذا السؤال ليست تقنية في المقام الأوّل، بل حضارية؛ فالجزائر تحتاج أكثر من شاب يحمل شهادات ومعارف متناثرة، تحتاج إنسانا يعتزّ بهويّته وينفتح على الآخرين، يجمع بين الكفاءة والاستقامة، بين روح المبادرة والمسؤولية، بين التّفكير الحرّ والانتماء للوطن، وبين القدرة على المنافسة في العالم الخارجي والوفاء لخدمة مجتمعه.

في هذه النّقطة بالتّحديد تلتقي الخبرات العالمية مع التراث الفكري الجزائري، كان ابن باديس يعرف أن النّهضة لا تبدأ بالسّياسة بل بالتّربية، وأنّ إصلاح الإنسان هو الخطوة الأولى لإصلاح الوطن، ثمّ جاء مالك بن نبي ليوسّع هذه الفكرة ويضعها في إطارها الحضاري، حين أوضح أنّ مشكلة مجتمعاتنا ليست نقص الموارد أو الوسائل، بل مشكلة إنسان وأفكار وقيم؛ النّهضة عنده لا تبدأ بجمع الأشياء، بل بصناعة إنسان يعرف كيف يوظّف الأشياء في مشروع نهضوي.

وهكذا، فإنّ المدرسة الجزائرية في أفق 2050 مطالبة بأن تكون أكثر من مكان للتلقين، مطالبة بأن تحتضن مشروع صناعة الإنسان الوطني، إن نجحت في ذلك، ستصبح أساسا لكلّ تطوّر اقتصادي أو علمي أو اجتماعي، أمّا إذا بقيت مشغولة بالتّفاصيل وحرمت من رؤية كبرى، فسيبقى كل إصلاح قاصر الأثر، مهما كانت نواياه جيّدة.

من المؤسف أنّ كثيرا من النّقاشات حول التّعليم في الجزائر وغيرها انطلقت من السّؤال: ماذا ندرّس؟ وكان الأجدر أن تبدأ من سؤال أكثر عمقا: لماذا ندرّس؟ فالأوّل قد يقودنا إلى تحسين المناهج، لكن الثّاني وحده القادر على إنتاج فلسفة تربوية، وهذه الفلسفة هي التي تعطي للبرامج روحها ومعناها، وتجعل كل قرار تربوي جزءا من مشروع وطني طويل الأمد، لا مجرّد استجابة لضغوط اللّحظة.

لذلك، فإنّ الميثاق الوطني للتربية في أفق 2050 ليس مجرّد وثيقة إدارية، بل هو تعاقد حضاري بين الدّولة والمجتمع، يثبّت المبادئ الثّابتة التي لا تتغيّر بتغيّر الحكومات؛ التّربية مشروع أجيال كاملة، ولا يصحّ أن تكون رهينة لدورات سياسيّة قصيرة.

في النّهاية، كل الأسئلة المطروحة حول الهويّة واللّغات والتّكنولوجيا وتكوين المعلمين وعلاقة المدرسة بالاقتصاد، تبقى فروعا عن سؤال مركزي واحد: كيف نصنع الإنسان الجزائري الذي يبني مستقبل بلاده ولا ينتظر أحدا ليصنعه له؟

بين ما نطمح إليه وما هو قائم بالفعل… نظرة واقعية على المنظومة التربوية

ما فائدة أن نرسم صورة مشرقة للمستقبل إذا لم نضع أعيننا أولا على واقعنا الحالي بكل ما فيه من نقاط قوّة وضعف؟ الميثاق الوطني للتّربية، إذا أردنا له أن يكون ذا معنى، لا يمكن أن يبقى مجرّد وثيقة تُتلى فيها المبادئ النّبيلة، بل يجب أن يكون مرآة صادقة للتحدّيات الموجودة على الأرض، مهما كانت طبيعة هذه التحدّيات أو حجمها.

الأرقام المتوفّرة ترسم لنا صورة معقّدة نوعا ما، صحيح أنّ الجزائر قطعت أشواطا كبيرة في مجال تعميم التّعليم، خاصّة في المرحلة الابتدائية، فوفقا لبيانات اليونيسف نجد أنّ نسبة الالتحاق الصّافية في التّعليم الابتدائي تبلغ حوالي 97%، وهي نسبة عالية جدا؛ لكن المشكلة تبدأ في الظّهور عندما نتقدّم في السلّم التعليمي؛ إذ تنخفض النّسبة إلى نحو 85% في المرحلة المتوسّطة، ثمّ تهبط بشكل حاد إلى 51% فقط في التّعليم الثّانوي، هذا يعني أنّنا نجحنا في جذب الأطفال إلى المدرسة، لكنّنا لا ننجح بنفس القدر في إبقائهم فيها؛ مشاكل التسرّب وإعادة السّنة لا تزال قائمة، وهذا يطرح سؤالا جوهريا: ما الفائدة من فتح أبواب المدرسة إذا كان التحدّي الحقيقي هو أن نضمن للطّفل مسارا تعليميا كاملا وناجحا؟

لكن القضية ليست أرقاما وإحصائيات فحسب، هناك تحدّيات نوعية أعمق، مثل تكوين المعلّمين والتّجديد المستمر لكفاءاتهم المهنية، فالمعلّم الذي يتوقّف عن التطوّر يظل حبيس طرائق قديمة، بينما العالم من حوله يتغيّر بسرعة، هناك أيضا مسألة التحوّل الرّقمي والبيداغوجيات الحديثة التي تحدث ثورة في طرق التّدريس عالميا، ونحن ما زلنا في بداية الطّّريق، دون أن ننسى الفوارق الكبيرة في ظروف التعلّم بين المناطق الحضرية والرّيفية وبين المؤسّسات التّعليمية نفسها.

وفي هذا الإطار، تلفت اليونيسف في تشخيصها الأخير إلى ضرورة تعزيز تكوين المعلّمين

نهائيا، مع وضع آليات فعّالة للوقاية من التسرّب وتقديم الدّعم العلاجي للتلاميذ، والرّبط الجاد بين ما ندرسه في المدرسة وبين التكوين المهني والمهارات الأساسية، ومن ضمنها المهارات الرّقمية ومهارات الحياة عموما.

ولنفتح قوسا هنا عن ظاهرة الدّروس الخصوصية أو ما يسمى بالتّعليم الموازي، هذه الظّاهرة باتت منتشرة بشكل لافت، وهي ليست مجرّد عادة اجتماعية عابرة، من ناحية، تعكس حرص الأسر على نجاح أبنائها ورغبتها الحقيقية في تحسين فرصهم، ولا يمكن أن نلومهم على ذلك؛ لكن من ناحية أخرى، قد تكون مؤشّرا خطيرا على وجود فجوة بين ما تقدّمه المدرسة بالفعل وما ينتظره الآباء منها، والأخطر من ذلك أنّها تحوّل النّجاح المدرسي إلى سلعة تشترى، تتاح لمن يملك المال ويتجاهل من لا يملكه، هذه الظّاهرة لم تعد مشكلة محليّة فحسب، بل أصبحت موضوعا للنقاش في السّياسات التّعليمية العالمية، والأسئلة التي تُطرح هي: لماذا يلجأ النّاس إليها؟ وكيف يمكن تنظيمها وتقنينها، بدل الاكتفاء بمحاولة تجاهلها أو إدانتها دون معالجة جذورها؟

وهناك أيضا مسألة العدالة المجالية والاجتماعية التي لا يمكن التغاضي عنها، عندما نتحدّث عن نجاح المنظومة التربوية، لا يكفي أن نستشهد بمتوسّط وطني قد يعطي صورة جميلة لكنّه يخفي في جوفه فوارق صارخة، النّجاح الحقيقي يعني أن نضمن لكلّ طفل، أينما وجد، في قلب العاصمة أو في قرية نائية في الجنوب، حدّا أدنى مقبولا من جودة التّعليم؛ المدرسة العادلة ليست تلك التي تتيح للجميع الحق النّظري في الالتحاق، بل تلك التي تمنح الجميع فرصة حقيقية متقاربة في التعلّم والنّجاح.

كلّ هذه المؤشّرات المتضافرة لا تسمح لنا بإطلاق حكم واحد مطلق على المدرسة الجزائرية، لا بإدانتها جملة وتفصيلا، ولا بالمبالغة في الإشادة بما تحقّق من إنجازات في تعميم التّعليم وبناء البنى التّحتية، لكنّها في المقابل تمنعنا من الانجراف وراء رؤية تفاؤلية سطحية، توحي بأنّ المشكلة كلّها تكمن في ترتيب مادّة دراسية، أو اختيار لغة تدريس، أو توزيع السّاعات، المشكلة أعمق وأشمل من ذلك بكثير.

نحن أمام سؤال محوري وصعب: كيف ننتقل من مدرسة تفتح أبوابها للمعرفة، إلى مدرسة تضمن فعلا اكتساب هذه المعرفة؟ وكيف ننتقل من مدرسة تحتفل بنسب الانتقال والشهادات، إلى مدرسة تقيس نجاحها بما يملكه المتعلّم فعلا من كفايات ومهارات تبقى معه مدى الحياة؟

وهنا بالتّحديد يكمن المعنى الحقيقي لفكرة الميثاق الوطني للتربية، نحن لا نحتاج إلى وثيقة تُوضع في الأدراج تعلن فيها النوايا الحسنة، ولا إلى خطة إنقاذ وقتية لمعالجة أزمة عابرة.

نحن بحاجة إلى إطار شامل، طويل الأمد، يحوّل هذه المؤشرات إلى أهداف واضحة قابلة للقياس، ويرافقها بآليات تقييم حقيقية وسياسات تصحيحية تمتدّ على سنوات، وبهذا الشّكل فقط يصبح الإصلاح التربوي مسارا تراكميًا حقيقيًا، يتعلّم من أخطائه ونجاحاته، بدلاً من أن يعيد إنتاج نفسه في كلّ مرّة وكأنّ التّاريخ يعيد نفسه من الصّفر.

الهويّة، واللّغات، والعلوم الإنسانية.. نحو مدرسة تصنع الشخصية الجزائرية ولا تكتفي بتخريج المتعلمين

قبل أن نسأل: أي إنسان نريد؟ علينا أن نطرح سؤالا آخر لا يقلّ أهمية: على أي قيم ومعارف ولغات نبني هذا الإنسان؟

وهنا تكمن واحدة من أكثر القضايا حساسيّة في أيّ إصلاح تربوي، لأنّها تمسّ صميم الشّخصية الوطنية وعلاقة المجتمع بنفسه وبالعالم، غير أنّ المشكلة أنّ الكثير من النّقاشات التّربوية وقعت في فخ الاستقطاب الإيديولوجي؛ فأصبح الحديث عن الهويّة يتهم فورا بالانغلاق، بينما صار الانفتاح عند البعض مرادفًا للتبعية الثقافية؛ والحقيقة أنّ الحضارات الكبرى لم تنهض قطّ إلاّ عندما نجحت في الجمع بين الجذور والآفاق.

الهويّة في التصوّر التربوي ليست شعارًا سياسيًّا ولا مادّة دراسية قائمة بذاتها، بل هي الإطار المرجعي الذي يمنح المعارف معناها، ويجعل المدرسة فضاءً لتكوين الشّخصيّة قبل أن تكون فضاءً لحشو المعلومات. فالطّفل الذي يلج المدرسة لا يبحث فقط عن حلول لمسائل الرّياضيات والعلوم، بل يبحث – ولو من دون أن يعبّر عن ذلك – عن إجابة لسؤال أعمق: من أنا؟ وإلى أيّ مجتمع أنتمي؟ وما الذي تنتظره منّي الحياة؟

لهذا السّبب لم يكن الإمام (عبد الحميد بن باديس) ينظر إلى التّعليم باعتباره مجرّد نشاط معرفي، بل كان يراه المشروع الأوّل لبناء الأمّة؛ فالتّعليم عنده لم يكن وسيلة لحفظ التّراث فحسب، بل طريقًا لإحياء الإنسان وإعادة ثقته بنفسه وتحصينه من الذّوبان، لقد أدرك مبكّرًا أنّ الأمّة التي تفقد مدرستها تفقد قدرتها على صناعة مستقبلها.

ثم جاء (مالك بن نبي) ليعطي هذه الرّؤية بعدها الحضاري، حين ربط النّهضة ببناء الإنسان قبل بناء المؤسّسات، مؤكّدا أنّ أزمة المجتمعات لا تكمن في نقص الوسائل بقدر ما تكمن في طريقة توظيفها. فالمدرسة هي الفضاء الذي تتشكّل فيه “القابلية للحضارة” أي الاستعداد النّفسي والثّقافي والأخلاقي للإبداع والإنتاج، لا للاستهلاك والتّقليد.

من هنا، فإنّ الحديث عن الهويّة داخل المدرسة لا ينبغي أن يتحوّل إلى استدعاء الماضي بوصفه ملاذًا نفسيًّا، بل إلى تحويله إلى طاقة دافعة نحو المستقبل، فالهويّة ليست إقامة دائمة في التّاريخ، وإنّما هي القدرة على حمل التّاريخ إلى المستقبل؛ وهي بهذا المعنى، ليست نقيضا للحداثة، بل شرطا من شروطها، لأنّ الأمم لا تدخل العصر بالتخلّي عن ذاكرتها، وإنّما بتحويل تلك الذّاكرة إلى قوّة اقتراح وإبداع.

بناء على هذا التصوّر، فإنّ المدرسة الجزائرية في أفق 2050 مطالبة ببناء هويّة وطنية واثقة، ترتكز على الإسلام بوصفه المرجعية القيمية للمجتمع، وعلى العربية والأمازيغية بوصفهما ركيزتين أصيلتين للشّخصية الوطنية، وعلى الانتماء العربي والبعد الإفريقي بوصفه امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا يوسّع آفاق التّفاعل الحضاري، إنّها هوية لا تعرّف نفسها بالخصومة مع الآخر، بل بالقدرة على محاورته من موقع الثّقة بالنّفس.

1-اللغات.. من منطق الصّراع إلى منطق التّكامل:

ربّما لم يظهر أثر الاستقطاب الإيديولوجي في أي مجال كما ظهر في موضوع اللّغات؛ فقد بدا في كثير من الأحيان وكأنّ اللّغة معركة يجب أن ينتصر فيها طرف على آخر، بينما تؤكّد التّجارب التّربوية الرّائدة أنّ المدرسة النّاجحة لا تبني سياساتها اللّغوية على الإقصاء، بل على توزيع الوظائف وتكامل الأدوار.

السّؤال الذي يجب أن يوجّه السّياسة اللّغوية ليس: أي لغة نختار؟، بل: أي كفايات لغوية يحتاجها المواطن الجزائري ليعيش ويبدع ويتفاعل مع العالم في منتصف القرن الحادي والعشرين؟

فاللّغة العربية ليست مجرّد أداة تواصل، وإنّما هي لغة الدّستور والثّقافة والإنتاج الفكري والذّاكرة الحضارية، ووسيلة لترسيخ الوحدة الوطنية؛ ومن ثمّ فإنّ تعزيز مكانتها لا يكون بالشّعارات، بل بالاستثمار في تطوير تعليمها وإغنائها بالمصطلح العلمي وربطها بالبحث والابتكار، حتى تستعيد مكانتها لغةً للإنتاج لا للاستهلاك.

أما الأمازيغية، فهي ليست ملفا إداريا، وإنما رصيد حضاري وثقافي يثري الشّخصية الجزائرية ويجسّد تنوّعها في إطار وحدتها، وليست منافسة للعربية أو خصما لها إنّما هي داعمة متعانقة معها، وكلّ سياسة تربوية رشيدة مطالبة بأن تجعل هذا التنوّع مصدر قوّة ثقافية، لا مجالا للتنافس أو التوجّس.

في المقابل، فإنّ الانفتاح على اللّغات العالمية لم يعد خيارا بل ضرورة استراتيجية؛ فاللّغة الإنجليزية هي اليوم لغة البحث العلمي والذّكاء الاصطناعي والاقتصاد الرّقمي والنّشر الأكاديمي والتواصل الدّولي؛ ومن ثمّ فإنّ تمكين الأجيال الجديدة منها يمثّل استثمارًا في المستقبل، لا استجابة لموضة ثقافية.

غير أنّ حصر الانفتاح في الإنجليزية وحدها لا يتوافق مع عالم متعدّد الأقطاب، فالإسبانية مثلا تفتح آفاقًا واعدة بالنّظر إلى الامتداد المتوسّطي والعلاقات الاقتصادية المتنامية، وتمثّل الألمانية بوابة إلى واحدة من أقوى البيئات الصّناعية والبحثية في أوروبا، بينما تفرض الصّينية نفسها تدريجيًا لغةً ذات أهمية متزايدة في الاقتصاد والتكنولوجيا بسبب تصدّر الصّين المشهد العالمي والتّأثير فيه ونفس الشّيء مع التّركية اليوم.

إنّ المدرسة التي نطمح إليها ليست مدرسة أحاديّة اللّغة، ولا متعدّدة اللّغات على نحو عشوائي، بل مدرسة تمتلك (سياسة لغوية وظيفية)، تحدّد لكلّ لغة دورها، وتربط تعلّمها بالحاجات العلمية والاقتصادية والثّقافية للدّولة.

لذلك، فإنّ نجاح السّياسة اللّغوية لا يُقاس بعدد اللّغات التي يدرسها التّلميذ، وإنّما بقدرته على استخدامها في التّفكير والبحث والإبداع والتّواصل، فاللّغة التي لا تتحوّل إلى أداة لإنتاج المعرفة تظلّ مهارة ناقصة، مهما ارتفع عدد ساعات تدريسها.

ولهذا يمكن القول: إنّ الرّهان الحقيقي ليس أن تنتصر الإنجليزية على الفرنسية، أو العربية على الإنجليزية، وإنّما أن تنتصر (المدرسة الجزائرية نفسها)، عندما تخرّج جيلًا متعدّد اللّغات، راسخ الهويّة، قادرًا على مخاطبة العالم بلغاته دون أن يفقد صوته الوطني.

فكلّ لغة نافذة على الحضارة، لكن لا يجوز أن تتحوّل نافذة إلى جدار يحجب بقيّة النّوافذ.

2-إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية.. لأنّ التكنولوجيا وحدها لا تبني الإنسان:

إذا كان القرن العشرون قد منح الأولوية للثّورة الصّناعية، فإنّ القرن الحادي والعشرين يعيد الاعتبار، بصورة لافتة، للعلوم الإنسانية، ولم يعد ذلك نابعا من اعتبارات ثقافية فقط، بل من تحوّلات عميقة فرضها الذّكاء الاصطناعي، والأزمات البيئية، والتّغيرات الاجتماعية، واتّساع الفضاء الرّقمي.

ولعلّ من أبرز الأصوات التي دافعت عن هذا التوجّه الفيلسوفة الأمريكية (مارثا نوسباوم)، التي حذّرت في كتابها: (ليس من أجل الربّح) من اختزال التّعليم في تلبية حاجات السّوق، مؤكّدة أنّ المجتمعات التي تهمل الفلسفة والأدب والتّاريخ والفنون، قد تنتج خبراء وتقنيين، لكنّها تعجز عن إنتاج مواطنين أحرار، قادرين على التّفكير النّقدي وحماية الدّيمقراطية وفهم الآخر.

وتلتقي هذه الرّؤية مع ما ذهب إليه المفكّر (إدغار موران) في كتابه: (المعارف السّبعة الضّرورية لتربية المستقبل)، حيث يؤكّد أنّ المدرسة الحديثة مطالبة بأن تعلّم الإنسان فهم التّعقيد، والتّعامل مع اللاّيقين، وإدراك الترابط بين الظّواهر، بدل الاكتفاء بتجزئة المعارف إلى تخصّصات منفصلة.

من هنا، فإنّ إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية في المدرسة الجزائرية ليست دفاعًا عن مواد بعينها، ولا دعوة إلى تقليص مكانة العلوم الدّقيقة، بل هي دعوة إلى استعادة التّوازن بين العقل العلمي والعقل الإنساني.

فالفلسفة لا تُدرَّس لإعداد الفلاسفة، وإنّما لتعليم التّفكير والحجاج والنّقد، وذلك من خلال إعادة النّظر في طريقة تدريسها بأسلوب النّقاش والتساؤل والابتعاد عن أسلوب المقالات مثلا، والتّاريخ لا يُدرَّس لحفظ التّواريخ، بل لبناء الوعي الوطني وفهم مسارات الأمم، والجغرافيا ليست خرائط وحدودًا، بل إدراك لموقع الجزائر في عالم تتشابك فيه المصالح، أمّا الآداب والفنون، فهي التي تنمّي الذّوق والخيال والقدرة على التّعبير، وهي مهارات لاتستطيع الخوارزميات أن تمنحها للإنسان.

وليس من قبيل المصادفة أن يؤكّد الاقتصادي (أمارتيا سن) أنّ التّنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بمعدّلات النّمو، وإنّما بتوسيع قدرات الإنسان وحرّياته وإمكاناته، والمدرسة التي تهتمّ ببناء هذه القدرات، لا بمجرّد نقل المعلومات، هي وحدها القادرة على إعداد مواطن يسهم في صناعة التّنمية، لا في انتظار ثمارها.

بناءً على ذلك، فإنّ مستقبل المدرسة الجزائرية لا يكمن في المفاضلة بين العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة، وإنما في بناء الجسور بينهما؛ فالمهندس يحتاج إلى الفلسفة بقدر حاجته إلى الرّياضيات، والطّبيب يحتاج إلى الأخلاق بقدر حاجته إلى علم الأحياء، ورائد الأعمال يحتاج إلى التّاريخ وعلم الاجتماع بقدر حاجته إلى الاقتصاد، إنّ المعرفة في القرن الحادي والعشرين لم تعد جزرًا متباعدة، بل أصبحت شبكة مترابطة، لا يكتمل أحد خيوطها إلاّ بالآخر.

وعندما تنجح المدرسة في تحقيق هذا التّوازن، فإنّها لا تُخرّج متخصّصين فحسب، بل تُخرّج إنسانًا كامل التّكوين؛ إنسانًا يعرف جذوره، ويفهم عصره، ويتقن لغات العالم، ويجمع بين العلم والقيم، وبين الإبداع والمسؤولية، وذلك، في نهاية المطاف، هو الشّرط الأوّل لأيّ نهضة وطنيّة مستدامة.

يتبع…