يشكّل إحياء اليوم الدّولي لمكافحة المخدّرات والاتّجار غير المشروع بها، المصادف لـ: 26 جوان من كل سنة، مناسبة ذات دّلالات عميقة بالنّسبة للجزائر، ليس فقط باعتبارها محطّة رمزية للتّوعية والتّحسيس بخطورة هذه الآفة العابرة للحدود، وإنّما أيضاً باعتبارها فرصة وطنية لتقييم حصيلة سنة كاملة من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدّرات والمؤثّرات العقلية (2025-2029)، والوقوف على مستوى التقدّم المحقّق في تجسيد أهدافها وبرامجها على أرض الواقع.
ويأتي إحياء هذه المناسبة في ظرف إقليمي ودولي يتّسم بتزايد التهديدات المرتبطة بالاتّجار غير المشروع بالمخدّرات والمؤثّرات العقلية، وتنوّع شبكات الجريمة المنظّمة وأساليبها، ما يجعل من مكافحة هذه الآفة تحدّياً أمنياً وصحيّاً واجتماعياً وتنموياً في آن واحد؛ وفي هذا السياق، اختارت الجزائر، تحت قيادة رئيس الجمهورية، اعتماد رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على الانتقال من المعالجة الظّرفية إلى بناء سياسة وطنية مستدامة للوقاية والمكافحة والتكفّل.
إنّ مرور سنة على دخول الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدّرات والمؤثّرات العقلية(2025-2029) حيّز التّنفيذ يؤكّد تبنّي الدّولة الجزائرية مقاربة استراتيجية شاملة ومتعدّدة الأبعاد، قائمة على التّنسيق والتكامل بين مختلف القطاعات والمؤسّسات، ومنطلقة من تشخيص دقيق للظّاهرة وأسباب انتشارها، بهدف معالجة جذورها وتجفيف منابعها وتعزيز آليات الوقاية والتكفّل والمكافحة.
وقد جاءت هذه الاستراتيجية ترجمة للإرادة السّياسية القويّة التي عبّر عنها رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة، والتي تضع حماية المواطن، ولا سيّما فئة الشّباب، في صلب الأولويات الوطنية، فالمخدّرات لم تعد مجرّد سلوك انحرافي أو مشكلة صحيّة معزولة، بل أصبحت تهديداً مباشراً للأمن المجتمعي، ولمستقبل التّنمية، وللرّأسمال البشري الذي تراهن عليه الجزائر في مسارها التّنموي.
وتستند الرّؤية الجزائرية إلى جملة من المبادئ الأساسية، في مقدّمتها اعتبار الوقاية خط الدّفاع الأوّل في مواجهة المخدّرات، والعمل على بناء مناعة مجتمعيّة قادرة على مقاومة مختلف أشكال الإدمان والانحراف، ومن هذا المنطلق، أوّلت الاستراتيجية أهمّية كبيرة للتّحسيس والتّوعية، من خلال إشراك المؤسّسات التربوية والجامعية، ووسائل الإعلام، والمؤسّسات الدّينية، والمجتمع المدني، والأسرة باعتبارها الخليّة الأولى في بناء الشّخصية وحماية النّاشئة.
كما ترتكز الاستراتيجية على تعزيز البعد الوقائي داخل المؤسّسات التّعليمية، عبر نشر الثّقافة الصّحية والتربوية، وترسيخ قيم المواطنة والوعي بالمخاطر، وإطلاق برامج توعوية تستهدف التلاميذ والطلبة والشّباب، وتحصينهم من مختلف السّلوكيات المحفوفة بالمخاطر.
وفي الجانب الصحّي، تبنّت الدّولة مقاربة إنسانية تجعل من المدمن شخصاً يحتاج إلى الرّعاية والتكفّل وإعادة الإدماج، وليس فقط موضوعاً للعقاب أو الوصم الاجتماعي، ولذلك تعمل السّلطات العمومية على تطوير منظومة التكفّل الصحي والنّفسي بضحايا الإدمان، وتوسيع قدرات الاستقبال والعلاج، وتوفير آليات المتابعة والمرافقة الاجتماعية، بما يضمن إعادة إدماجهم في المجتمع وتمكينهم من استعادة دورهم الطّبيعي داخل الأسرة ومحيطهم الاجتماعي.
أمّا على الصّعيد الأمني والقضائي، فقد عزّزت الجزائر منظومتها القانونية والعملياتية لمواجهة شبكات الاتّجار بالمخدّرات والمؤثّرات العقلية، من خلال تطوير أدوات التحرّي والتّنسيق بين مختلف الأجهزة المختصّة، وتكثيف الجهود الرّامية إلى تفكيك الشّبكات الإجرامية وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، إلى جانب تشديد الرّقابة على الحدود ومكافحة مختلف أشكال الجريمة المنظّمة المرتبطة بالمخدّرات.
وتؤكّد الحصيلة الأوّلية للسنة الأولى من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية أنّ الجزائر قطعت أشواطاً معتبرة في إرساء آليات العمل المشترك بين القطاعات الوزارية والمؤسّسات الوطنية، وتكريس مبدأ المقاربة التشاركية التي تجعل من مكافحة المخدّرات مسؤولية جماعية لا تقتصر على الأجهزة الأمنية أو الصحية فحسب، بل تشمل جميع الفاعلين في المجتمع.
كما أفرزت السنة الأولى من التّنفيذ ديناميكية جديدة في مجال التنسيق المؤسّساتي، من خلال توحيد الجهود، وتبادل المعطيات، وتطوير أدوات الرّصد والمتابعة والتّقييم، بما يسمح بالتكيف المستمر مع تطوّر الظّاهرة وتحوّلاتها، ويضمن نجاعة التدخّلات العمومية.
غير أنّ حجم التحدّيات المطروحة يفرض مواصلة الجهود وتعزيز اليقظة الجماعية، خاصّة في ظلّ تنامي المخاطر المرتبطة بظهور أنواع جديدة من المؤثّرات العقلية، واستغلال الفضاء الرّقمي ووسائل الاتصال الحديثة في الترويج للمخدّرات واستهداف فئة الشّباب والمراهقين.
ومن ثمّ، فإنّ نجاح الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدّرات والمؤثّرات العقلية خلال الفترة الممتدة إلى غاية 2029 يبقى رهيناً بتعزيز الشّراكة بين الدّولة والمجتمع، وتكريس ثقافة الوقاية، وتعبئة جميع الطّاقات الوطنية لحماية الأجيال الصّاعدة، وترسيخ قيم المسؤولية والتضامن والتماسك الاجتماعي.
إنّ إحياء اليوم الدّولي لمكافحة المخدّرات لا ينبغي أن يقتصر على البعد الاحتفالي أو التّوعوي فحسب، بل يمثّل فرصة لتجديد الالتزام الجماعي بمواجهة هذه الآفة بكل أبعادها، واستحضار حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع في حماية المجتمع وصون مستقبله.
لقد اختارت الجزائر، من خلال استراتيجيتها الوطنية للفترة 2025-2029، أن تخوض معركة الوقاية من المخدّرات بمنطق استباقي وشامل، يجمع بين الوقاية والتكفّل والمكافحة، ويرتكز على التّنسيق المؤسّساتي والمشاركة المجتمعية، وهي بذلك تؤسّس لرؤية متكاملة تجعل من الإنسان محور السّياسات العمومية، ومن حماية الشّباب استثماراً استراتيجياً في أمن الوطن واستقراره ومستقبله التّنموي.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين