كشف تقرير حصري نشرته صحيفة الغارديان البريطانية أن أول عقد إنشائي يصدر عن “مجلس السلام” المكلف بالإشراف على مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة لا يتعلق بإعادة بناء المنازل أو المستشفيات أو البنية التحتية، بل بإنشاء قاعدة عسكرية أولية لإيواء قوة مغربية ضمن ما يعرف بـ”قوة الاستقرار الدولية”.
وبحسب التقرير، فإن العقد لم يبرم بصورة نهائية بعد، لكنه أرسي على شركة “أركل انترناشيونال” الأمريكية، التي تتخذ من ولاية لويزيانا مقرا لها، وسبق أن نفذت مشاريع لصالح الحكومة الأمريكية في عدة دول، من بينها العراق.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول في “مجلس السلام” أن المجلس، بالتنسيق مع اللجنة الوطنية الفلسطينية المكلفة بإدارة القطاع، يضع اللمسات الأخيرة على عدة عقود، إلا أنه أكد أن أيا منها لم يوقع بشكل نهائي حتى الآن.
وأضاف أن أحد هذه العقود يتعلق بإنشاء منشآت لدعم “قوة الاستقرار الدولية”، التي يفترض أن تتولى تنفيذ الترتيبات الأمنية والإدارية المنصوص عليها في خارطة الطريق الخاصة بغزة، مشيرا إلى أن المشروع سيكون واحدا من سلسلة مشاريع يعتبرها المجلس ضرورية لمستقبل القطاع.

قاعدة قبل الإعمار
ووفقا للمعلومات التي أوردتها الصحيفة، ستقام القاعدة العسكرية على مساحة تقارب 100 متر في 120 مترا، وستكون قادرة على استيعاب نحو 150 جنديا مغربيا يتناوبون على الخدمة انطلاقا من قاعدة داخل الأراضي التي يحتلها الكيان الصهيوني.
وأوضح مصدر مطلع أن موقع القاعدة سيكون داخل المنطقة التي يسيطر عليها الجيش “الإسرائيلي” مباشرة، والتي تمثل نحو 60 بالمائة من مساحة قطاع غزة، وعلى بعد يقارب ميلا واحدا من الحدود مع الكيان الصهيوني، مع تخصيص “مسار إخلاء سريع” يسمح بإجلاء القوة في حال تعرضها لأي هجوم.
وأشار التقرير إلى أن هذا المشروع يمثل تحولا واضحا في أولويات المجلس، إذ يأتي أول عقد معروف في إطار ترتيبات أمنية، بينما ما تزال مشاريع إعادة إعمار المساكن والمنشآت المدنية مؤجلة، رغم مرور أشهر على الإعلان عن خطط إعادة بناء القطاع.
وأضافت الصحيفة أن الخطط الأولية التي اطلعت عليها سابقا كانت تتضمن مشروعا أكبر لإنشاء قاعدة عسكرية تستوعب نحو خمسة آلاف عنصر، على أن تبدأ المرحلة الأولى بإقامة موقع مؤقت يضم خياما وأسرة ميدانية ومراحيض متنقلة ومحطات لغسل اليدين، قبل التوسع لاحقا إلى منشأة عسكرية متكاملة تشمل بنية دفاعية ومرافق تشغيلية.

خطة تقلصت تدريجيا
يعيد التقرير التذكير بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن في فيفري 2025 أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة غزة، قبل أن تتطور الفكرة لاحقا إلى إنشاء “مجلس السلام” للإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة إعمار القطاع.
وخلال الاجتماع الأول للمجلس، قدم جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد أبرز أعضاء المجلس، رؤية حملت اسم “غزة الجديدة”، تضمنت إنشاء مدينة ساحلية حديثة تضم أبراجا متعددة الاستخدامات، ومشاريع استثمارية وسياحية، ومناطق اقتصادية تهدف إلى تحويل القطاع إلى مركز تنموي.
غير أن تقرير الغارديان يشير إلى أن هذه الرؤية تقلصت تدريجيا، إذ تحولت من مشروع واسع لإعادة إعمار القطاع بأكمله إلى برنامج تجريبي محدود في جنوب غزة، قبل أن يصبح أول عقد فعلي موجها لإنشاء قاعدة عسكرية بدلا من مشاريع الإسكان أو البنية التحتية أو المرافق الصحية.
ويرى التقرير أن هذا التطور يكشف ترتيبا مختلفا للأولويات، حيث تسبق ترتيبات الأمن والاستقرار أي خطوات عملية لإعادة الحياة المدنية داخل القطاع.
قوة دولية مرتقبة
بحسب التقرير، فإن قرار الأمم المتحدة الذي أتاح إنشاء مجلس السلام نص أيضا على تشكيل “قوة الاستقرار الدولية” لتأمين تنفيذ الترتيبات الأمنية والإدارية خلال المرحلة الانتقالية.
وأوضح أن الإطار القانوني النهائي لهذه القوة لم يكتمل بعد، كما لم يحدد موعد انتشارها رسميا، رغم إعلان المغرب استعداده لإرسال وحدة عسكرية محدودة للمشاركة فيها.
ومن المنتظر، وفق المصادر ذاتها، أن تتولى القوة مهام مرتبطة بحفظ الاستقرار ودعم ترتيبات الحوكمة، بينما تتولى اللجنة الوطنية الفلسطينية إدارة الجوانب المدنية في القطاع.
وأشار التقرير إلى أن مجلس السلام يضم في قيادته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب جاريد كوشنر والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ويتولى متابعة تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب.
ويأتي الكشف عن تفاصيل العقد بعد أيام من إعلان المجلس خارطة طريق جديدة لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تضمنت ترتيبات تتعلق بالأمن والإدارة وإعادة الإعمار، في وقت لا تزال فيه العديد من بنودها محل نقاش سياسي وقانوني.
وفي ختام التقرير، لفتت الغارديان إلى أن أكثر من 80 بالمائة من مباني قطاع غزة تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة جراء الحرب، بينما لا يزال معظم سكان القطاع، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، يعيشون في مخيمات ومراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، رغم مرور نحو عشرة أشهر على وقف إطلاق النار، الأمر الذي يجعل انطلاق أول مشروع مرتبط بإنشاء قاعدة عسكرية، بدلا من مشاريع الإسكان أو المستشفيات مثيرا للتساؤلات حول أجندة الأولويات.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين