كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع إيران يقضي بوقف فوري ودائم للعمليات العسكرية بين الطرفين، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري المفروض على طهران.

ويأتي هذا الاتفاق بعد أشهر من الحرب والتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تخللتها ضربات جوية متبادلة وتوترات امتدت إلى عدة جبهات إقليمية، قبل أن تنجح وساطة دولية قادتها باكستان وقطر في بلورة إطار تفاهم نهائي، تم الإعلان عنه، على أن يتم التوقيع النهائي في مدينة جنيف السويسرية يوم الجمعة المقبل 19 جوان.

إعادة فتح هرمز

ينص الاتفاق على وقف فوري وكامل لجميع العمليات العسكرية في مختلف الجبهات، بما في ذلك المناطق الساخنة المرتبطة بالنزاع الإقليمي، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من النفط والغاز المسال عالميا.

كما يتضمن التفاهم رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية بشكل كامل، مع ضمان تدفق التجارة الدولية عبر المضيق دون قيود، وهو ما اعتبره ترامب “تحريرا لحركة الطاقة العالمية”، داعيا أسواق الشحن والنفط إلى استئناف نشاطها بشكل طبيعي.

وبحسب التقديرات الأولية، فإن عودة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق أسابيع، وربما أكثر، بسبب الحاجة إلى إزالة الألغام البحرية، وإعادة تنظيم حركة الناقلات، واستئناف الإنتاج والشحن بعد فترة من التوقف الجزئي أو الاضطراب.

ملف نووي مفتوح

يتضمن الاتفاق أيضا التزاما إيرانيا بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، إلى جانب إطلاق مسار تفاوضي جديد خلال 60 يوما للوصول إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي، بما يشمل آليات التخصيب ومستقبل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى نظام رقابة دولي مرتقب.

لكن هذه النقاط لا تزال غير محسومة بشكل كامل، إذ تشير مصادر دبلوماسية إلى أن التفاصيل التقنية ستناقش لاحقا ضمن محادثات إضافية، وسط خلافات حول حدود التخصيب وآليات التحقق والرقابة الدولية.

وجاء التوصل إلى الاتفاق بعد سلسلة مفاوضات غير مباشرة ومعقدة، قادتها بشكل أساسي قطر وباكستان، وشاركت فيها أطراف إقليمية ودولية، في ظل ضغوط كبيرة لتفادي انهيار المسار التفاوضي، خصوصا بعد تصعيد عسكري في بعض الجبهات خلال الأسابيع الأخيرة.

وأكدت مصادر مشاركة في الوساطة أن الساعات الأخيرة قبل الإعلان شهدت مفاوضات مكثفة استمرت أكثر من 17 ساعة، وأن بعض البنود تم تعديلها في اللحظات الأخيرة، بما في ذلك قضايا مرتبطة بالأمن الإقليمي وإدارة التوتر في عدة ساحات.

الأصول المجمدة والعقوبات

يبقى ملف الأصول الإيرانية المجمدة أحد أكثر النقاط حساسية في الاتفاق، إذ تتحدث تسريبات إعلامية عن إمكانية الإفراج عما يصل إلى 24 مليار دولار خلال فترة تفاوض تمتد 60 يوما، مع منح جزء من هذه الأموال قبل بدء المحادثات النهائية.

في المقابل، تنفي مصادر أمريكية رسمية هذه الأرقام، وتؤكد أن أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأموال سيكون مشروطا بالتنفيذ الفعلي للالتزامات، في إطار مبدأ “الالتزام مقابل التنفيذ”.

تباين في المواقف وتصريحات متناقضة

أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن مذكرة التفاهم أصبحت نهائية وموقعة سياسيا، مؤكدا أن طهران ستنشر النص الكامل بعد التوقيع الرسمي في جنيف، مع الإشارة إلى وجود آليات رقابية لمتابعة التزام واشنطن ببنود الاتفاق.

في المقابل، نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين في الإدارة أن الاتفاق لا يتضمن أي التزامات مالية غير مشروطة، وأنه يقوم على مبدأ تدريجي مرتبط بالتحقق من التنفيذ.

كما صرح ترامب بأن الاتفاق يمثل “سدا منيعا” أمام طموحات إيران النووية، ملوحا بإمكانية العودة إلى الخيار العسكري في حال فشل المسار الدبلوماسي.

وقد انعكس الإعلان عن الاتفاق فورا على الأسواق العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، وسط توقعات بزيادة المعروض العالمي في حال إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل.

غير أن خبراء الطاقة حذروا من أن استقرار الإمدادات لن يتحقق فورا، نظرا للتحديات اللوجستية والأمنية المرتبطة بإعادة تشغيل حركة الشحن، وإزالة آثار الحرب، واستئناف الإنتاج بشكل منتظم.

لبنان و”إسرائيل”.. جبهة اختبار الاتفاق

رغم الطابع الثنائي بين واشنطن وطهران، فإن الاتفاق يحمل أبعاداً إقليمية واسعة، أبرزها ما يتعلق بالجبهة اللبنانية، حيث ينص التفاهم على وقف شامل للعمليات العسكرية في كل الساحات، بما فيها لبنان.

لكن هذه النقطة تبقى الأكثر هشاشة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الصهيونية ضد حزب الله،كما صرح  وزير دفاع الكيان الصهيوني، يسرائيل كاتس، الاثنين، أن جيش الاحتلال لن ينسحب من جنوب لبنان بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، مشيرا إلى أن هذا الموقف قد أبلغ به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتشير تقارير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتبر استمرار الوجود العسكؤري في “المناطق الأمنية” أمرا ضروريا لحماية الحدود.

ضمانات واستحقاقات مؤجلة

ينص الاتفاق على إطلاق مفاوضات نهائية بعد التحقق من تنفيذ البنود الأساسية، وعلى رأسها فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، إضافة إلى الإفراج التدريجي عن الأصول المجمدة وإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية.

كما تظل فترة الـ60 يوما المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل الاتفاق، سواء من حيث الانتقال إلى تسسوية نهائية أو العودة إلى دائرة التوتر في حال فشل الالتزام المتبادل بين واشنطن وطهران.