أثار تسريب إلكتروني واسع منسوب إلى مجموعة القرصنة “جبروت” جدلا في إسبانيا والمغرب، بعدما قالت المجموعة إنها تمكنت من الوصول إلى بيانات نحو 70 ألف شخص مرتبطين بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني في المغرب.
ونشرت المجموعة عبر قناتها على “تلغرام” أسماء وتواريخ ميلاد وأرقام تعريف قالت إنها تعود إلى عناصر في أجهزة الأمن ومكافحة التجسس المغربية، في عملية وصفتها بأنها واحدة من أكبر عمليات الكشف عن بيانات مرتبطة بالمنظومة الأمنية المغربية.
ويشرف عبد اللطيف الحموشي على الجهازين الأمنيين، وفق ما أورده التقرير، في وقت لم يصدر فيه، بحسب المعطيات المتاحة في النص، توضيح رسمي مغربي بشأن حقيقة التسريب وحجمه.
“هدية لأوروبا وإسبانيا”
وقالت “جبروت” في منشور على قناتها في “تلغرام”: “الهدية الكبرى لأوروبا، وخاصة إسبانيا، من جبروت… إليكم أسماء وتواريخ ميلاد وأرقام تعريف 70 ألف عنصر من أجهزة الاستخبارات والأمن المغربية، الذين عملوا في أنحاء أوروبا في أكثر المهام الاستخباراتية قذارة، مثل التجسس وتركيب أجهزة التنصت ورشوة السياسيين ورجال الأعمال”.
ولم تكتف المجموعة بنشر هذه البيانات، إذ هددت بالكشف عن أسماء قالت إنها تعود إلى عناصر مغربية شاركت في ما وصفته بخطة مرتبطة بوصول نحو 72 ألف مغربي إلى مدينة سبتة في نهاية جويلية.
وتربط المجموعة هذه القضية بملف العلاقات المغربية الإسبانية، في وقت تتهم فيه الرباط باستخدام ملف الهجرة للضغط على مدريد والاتحاد الأوروبي بشأن الصحراء الغربية، فضلا عن ارتباط التطورات بما تعتبره المجموعة استياء مغربيا من تحسن العلاقات بين الجزائر وإسبانيا.

ماذا تكشف التسريبات عن الأجهزة المغربية؟
ركزت تغطيات في الصحافة الإسبانية على البعد الأمني للتسريب، باعتبار أن المغرب قدم أجهزته الأمنية خلال السنوات الماضية باعتبارها شريكا أساسيا لأوروبا في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.
وفي حال ثبت أن الاختراق شمل بالفعل عشرات الآلاف من السجلات الحساسة، فإن تداعياته قد تتجاوز فقدان ملفات أو بيانات شخصية، إذ يمكن لمثل هذه المعلومات أن تكشف هياكل إدارية وشبكات ارتباط ومسارات عمل وترتيبات داخلية، كما قد تعرض الأشخاص الواردة أسماؤهم للخطر وتؤثر على قدرتهم على أداء مهامهم داخل المغرب وخارجه.
ووصفت صحيفة “The Objective” ما تعرضت له المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني بأنه “اختراق عميق وواسع”، مشيرة إلى أن المجموعة قالت إن البيانات المنشورة لا تمثل سوى جزء من المعلومات التي حصلت عليها.
كما سلطت الصحيفة الضوء على ورود بيانات تخص 21 رئيسا أمنيا، وهو ما قد يشير، في حال تأكدت صحة المعلومات، إلى أن نطاق الوصول لم يقتصر على قواعد إدارية محدودة أو موظفين من مستويات دنيا.
الصحافة الإسبانية تحذر من القفز إلى الاستنتاجات
ورغم حجم الادعاءات، تبنت بعض وسائل الإعلام الإسبانية مقاربة أكثر حذرا، مشددة على ضرورة التمييز بين البيانات التي يمكن التحقق من صحتها وبين الادعاءات التي لم تثبت بعد.
وأشارت تغطيات إلى أن صحة عينة من البيانات لا تعني بالضرورة امتلاك قاعدة كاملة تضم 70 ألف اسم، كما أن ورود اسم شخص في سجل تابع لجهاز أمني لا يعني تلقائيا أنه “جاسوس”.
كما أوضحت أن التسريب المعلن يرتبط أساسا بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، من دون وجود دليل علني مماثل حتى الآن على اختراق المديرية العامة للدراسات والمستندات، المسؤولة عن الاستخبارات الخارجية المغربية.
ويضع هذا التمييز حدودا واضحة أمام قراءة الواقعة، ما تم نشره قد يشكل اختراقا أمنيا خطيرا، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بأن منظومة الاستخبارات المغربية بكاملها تعرضت للاختراق أو أن جميع الأسماء المنشورة تعود إلى عناصر استخباراتية.
أسماء داخل محيط القصر
وتناولت صحيفة “ABC” الإسبانية التسريب باعتباره تطورا جديدا في الحرب السيبرانية التي أصبح المغرب أحد ميادينها، مشيرة إلى أن “جبروت” نشرت قاعدة بيانات قالت إنها تضم أسماء 70 ألف عنصر مفترض في جهازي الاستخبارات الداخلية والشرطة المغربية.
كما ركزت الصحيفة على تهديد المجموعة بالكشف عن أسماء من قالت إنهم نسقوا خطة مرتبطة بأحداث سبتة، إضافة إلى اتهامات طالت شخصيات نافذة في محيط القصر الملكي.
ومن بين الأسماء التي وردت في تغطية “ABC” فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك محمد السادس وأحد أبرز الشخصيات المقربة من القصر، بعدما اتهمته المجموعة، إلى جانب مستشار آخر لم تكشف هويته، بالتخطيط لعملية تهدف إلى وضع إسبانيا في موقف صعب.
وفي المقابل، أشارت الصحيفة إلى أن المجموعة لم تتهم الملك محمد السادس بمعرفة مسبقة بما جرى، وهو ما يعني أن روايتها توجه المسؤولية نحو شخصيات تنفيذية في محيط القصر.
“أكبر ضربة”؟
أما صحيفة “El Confidencial“، التي شكلت معلوماتها مصدرا لعدد من التغطيات اللاحقة، فقد وصفت التطور بأنه “أكبر ضربة وُجهت على الإطلاق إلى الاستخبارات المغربية”.
ونقلت وسائل إعلام إسبانية عنها أن تسريبات سابقة من المجموعة تضمنت معلومات ثبتت صحتها، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن ذلك لا يكفي لإثبات صحة جميع البيانات الجديدة أو تأكيد أن كل اسم وارد فيها يعود إلى عنصر استخباراتي.
سجل سابق من التسريبات
ولا تأتي العملية الأخيرة بمعزل عن نشاط سابق لـ”جبروت” ضد جهات مغربية.
ففي جوان 2025، قالت المجموعة إنها نشرت معلومات حول ممتلكات عقارية لأعضاء في حزب الأصالة والمعاصرة، أحد أحزاب الائتلاف الحكومي المغربي.
وفي أفريل من العام نفسه، نشرت بيانات قالت إنها حساسة، من بينها معلومات عن راتب محمد منير الماجيدي، السكرتير الخاص للملك محمد السادس.
وتعيد التسريبات الجديدة إلى الواجهة مسألة الأمن السيبراني للمؤسسات الحساسة، خاصة عندما يتعلق الأمر ببيانات أفراد يعملون داخل أجهزة أمنية.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين