أثار تفشي فيروس “هانتا” على متن السفينة السياحية الهولندية “إم في هونديوس” موجة قلق دولية واسعة، بعد تسجيل ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة والمشتبه بها بين الركاب، وسط عمليات تتبع صحية في عدة دول وتحذيرات من احتمال ظهور حالات إضافية خلال الأسابيع المقبلة، مما أعاد إلى الأذهان خوف تكرر كابوس كورونا.

وفي هذا الصدد، أكدت منظمة الصحة العالمية أن الوضع الحالي لا يشير إلى بداية جائحة عالمية جديدة، مشددة على أن خطر انتشار الفيروس بين البشر لا يزال منخفضا، رغم خطورة السلالة المكتشفة وارتفاع معدل الوفيات المرتبط بها.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية وفاة 3 أشخاص وإصابة 3 آخرين يشتبه بإصابتهم بفيروس “هانتا” كانوا على متن نفس السفينة، فيما يرقد أحد المرضى في العناية المركزة بجنوب إفريقيا، بينما تعمل السلطات الصحية على إجلاء ركاب آخرين ظهرت عليهم أعراض المرض.

السفينة الموبوءة

بحسب تقارير دولية، وقع التفشي على متن السفينة “إم في هونديوس” التابعة لشركة (Oceanwide Expeditions)، أثناء رحلتها من الأرجنتين نحو الرأس الأخضر مرورا بالمحيط الأطلسي، قبل أن تتجه لاحقا نحو جزر الكناري.

وشهدت الرحلة سلسلة تطورات مقلقة، بدأت بوفاة أول راكب في البحر يوم 11 أفريل، ثم نقل زوجته المصابة جوا إلى جنوب إفريقيا قبل وفاتها لاحقا، في حين توفيت امرأة ألمانية على متن السفينة في الثاني من شهر ماي.

كما غادر عشرات الركاب السفينة في جزيرة سانت هيلينا قبل اكتشاف التفشي، ما دفع السلطات الصحية في عدة دول إلى إطلاق عمليات تعقب ومراقبة للمخالطين.

ما هو فيروس “هانتا”؟

يعد فيروس “هانتا” من الفيروسات الحيوانية المنشأ، أي التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان، ويعرف منذ عقود طويلة وليس فيروسا جديدا، إذ تعود أولى حالات رصده إلى الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، عندما أصيب آلاف الجنود بأعراض غامضة قرب نهر نهر هانتان الذي اشتق منه اسم الفيروس لاحقا.

ويضم فيروس هانتا عدة سلالات مختلفة منتشرة في آسيا وأوروبا والأمريكيتين، وتختلف من حيث الأعراض ونسبة الوفيات وطريقة التأثير على الجسم.

وبعض السلالات تهاجم الكلى مسببة الحمى النزفية والفشل الكلوي، بينما تستهدف سلالات أخرى الرئتين وتؤدي إلى متلازمة هانتا القلبية الرئوية، وهي الأخطر والأكثر ارتباطا بالوفيات.

وتعد القوارض، خصوصا الفئران والجرذان البرية، الخزان الطبيعي للفيروس، حيث يوجد العامل الممرض في البول واللعاب والبراز.

وينتقل المرض غالبا عند استنشاق غبار ملوث بمخلفات القوارض في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية، كما يمكن أن تحدث العدوى عبر لمس الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، أو من خلال الجروح الجلدية، وفي حالات أقل عبر عضات القوارض.

ويؤكد معهد روبرت كوخ الألماني أن الفيروس قادر على البقاء حيا في البيئة لأسابيع، ما يعني أن الإصابة لا تتطلب بالضرورة ملامسة مباشرة للقوارض، إذ قد تنتقل العدوى أثناء تنظيف الأقبية أو الحظائر أو نقل الأخشاب أو العمل في الغابات والمناطق الريفية.

السلالة المكتشفة.. لماذا تثير القلق؟

وتكمن خطورة التفشي الحالي في ارتباطه بسلالة فيروس الأنديز، وهي السلالة الوحيدة المعروفة عالميا بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر.

لكن خبراء الصحة يشددون على أن هذا الانتقال لا يحدث بسهولة، بل يحتاج إلى مخالطة وثيقة ومطولة، مثل العيش في المنزل نفسه أو تقديم الرعاية الصحية المباشرة للمصابين.

وبحسب المختصين، فإن سلاسل العدوى البشرية المرتبطة بفيروس “الأنديز” ظلت تاريخيا محدودة وقصيرة، ولم تتحول إلى انتقال مجتمعي واسع كما حدث مع فيروس كورونا.

أعراض المرض وفترة الحضانة

وتتراوح فترة حضانة فيروس “هانتا” عادة بين أسبوعين وأربعة أسابيع، لكنها قد تمتد أحيانا إلى ستة أسابيع قبل ظهور الأعراض، وهو ما يفسر استمرار مراقبة الركاب والمخالطين حتى بعد مغادرتهم السفينة.

وتبدأ الأعراض غالبا بشكل يشبه الإنفلونزا، وتشمل الحمى والصداع وآلام العضلات والإرهاق والدوار والغثيان، وآلام البطن، قبل أن تتطور سريعا لدى بعض المرضى إلى صعوبات تنفسية حادة نتيجة امتلاء الرئتين بالسوائل.

وفي الحالات الشديدة، قد يؤدي المرض إلى فشل تنفسي سريع أو فشل كلوي حاد، بحسب نوع السلالة المصيبة.

وتشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية الأمريكية إلى أن نسبة الوفيات في بعض المتلازمات الرئوية المرتبطة بفيروس “هانتا” تصل إلى 38 بالمئة، بينما قد تتراوح بين 20 و40 بالمئة في سلالة “الأنديز”.

هل يتحول إلى جائحة جديدة؟

رغم المقارنات المتزايدة مع جائحة كورونا، شددت منظمة الصحة العالمية وخبراء الأوبئة على أن فيروس “هانتا” لا يمتلك الخصائص الوبائية نفسها التي تسمح بانتشاره عالميا بسرعة.

وقالت مسؤولة الأوبئة في المنظمة ماريا فان كيركوف إن “هذا ليس كورونا، وليس إنفلونزا، وطريقة انتشاره مختلفة تماما”.

وبدوره، أكد اختصاصي الأمراض المعدية ويليام شافنر أن التفشي الحالي لا يزال محدودا داخل السفينة، ومن غير المرجح أن يتحول إلى وباء عالمي على غرار “كوفيد-19″، موضحا أن فيروسات “هانتا” معروفة منذ عقود ولا تتحور بسهولة.

وفي المقابل، لا يوجد حتى الآن لقاح معتمد أو علاج نوعي مباشر لفيروس “هانتا”، فيما تعتمد العلاجات الحالية على الرعاية الداعمة داخل المستشفيات والعناية المركزة لمساعدة المرضى على التنفس والحفاظ على وظائف الأعضاء.

ويرى خبراء الأوبئة أن القلق الحالي لا يرتبط فقط بعدد الإصابات، بل بطبيعة السلالة المكتشفة وإمكانية انتقالها بين البشر، إضافة إلى تنقل الركاب بين عدة دول قبل اكتشاف التفشي.

كما يحذر مختصون من أن التغيرات المناخية واتساع انتشار القوارض الحاملة للفيروس قد يزيدان احتمالات ظهور بؤر جديدة مستقبلا، رغم بقاء الخطر العالمي منخفضا حتى الآن.

استنفار دولي وتعقب للمخالطين

دفعت الحادثة عدة دول إلى تفعيل أنظمة المراقبة الصحية، حيث بدأت الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا وبريطانيا وسنغافورة تتبع الركاب الذين غادروا السفينة أو خالطوا المصابين.

كما أرسلت منظمة الصحة العالمية فريقا من الخبراء إلى السفينة خلال توقفها في الرأس الأخضر، بالتنسيق مع خبراء أوروبيين وأطباء من هولندا، لوضع آلية آمنة لإجلاء الركاب واحتواء التفشي.

وأكد المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن مواجهة الأوبئة تتطلب تعاونا دوليا واسعا، قائلاً إن “الفيروسات لا تهتم بالسياسة ولا بالحدود”.