بعد أكثر من عام على أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الجزائر ومالي، بدأت العلاقات بين البلدين تشهد مؤشرات واضحة على الانفراج، في تحول وصفته مجلة “جون أفريك” الفرنسية بغير المتوقع، مرجعة هذا المسار إلى وساطات وتحركات قادتها روسيا والنيجر والكونغو، إلى جانب دوافع براغماتية فرضتها التطورات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل.

وتستند المجلة في تقريرها إلى التحول اللافت في خطاب المسؤولين الماليين تجاه الجزائر، خصوصا تصريحات رئيس الوزراء عبد الله مايغا في السادس من أوت الجاري، حين تحدث عن “توافق تام في وجهات النظر” بين الرئيسين أسيمي غويتا وعبد المجيد تبون، داعيا إلى طي صفحة الخلافات السابقة.

ويأتي هذا التحول بعد أشهر فقط من تصعيد غير مسبوق، إذ كان مايغا قد هاجم الجزائر بشدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، متهما إياها بالتدخل في الشؤون الداخلية لمالي، فيما بلغت الأزمة ذروتها في أبريل 2025 عقب إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيرة مالية.

لكن مسار التوتر بدأ يتراجع تدريجيا، حيث ظهرت أولى مؤشرات الانفراج في 10 جويلية الماضي، مع إعلان الجزائر ومالي إعادة فتح المجالين الجويين وعودة السفيرين، في خطوة عكست بداية مسار جديد للعلاقات الثنائية.

روسيا تدفع نحو التهدئة

وترى “جون أفريك” أن موسكو كانت من أبرز الأطراف التي سعت إلى احتواء الأزمة، بالنظر إلى علاقاتها الوثيقة بكل من الجزائر ومالي، فروسيا أصبحت منذ انسحاب القوات الفرنسية من مالي شريكا أمنيا رئيسيا لباماكو، بينما تربطها بالجزائر علاقات دفاعية ودبلوماسية قديمة.

وتشير المجلة إلى أن الجزائر تعد من أبرز عملاء الصناعات الدفاعية الروسية، إذ حصلت، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، على 73 بالمائة من معداتها العسكرية من روسيا خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2024.

وبحسب “جون أفريك”، لم تكن موسكو ترغب في رؤية اثنين من شركائها الرئيسيين في إفريقيا يتواجهان علنا في منطقة الساحل، خصوصا أن استمرار الخلاف كان من شأنه الإضرار بمصالحها في المنطقة.

وتقول المجلة إن التحرك الروسي تكثف بعد هجمات 25 أبريل، التي نفذها التحالف الذي يجمع جبهة تحرير أزواد مع جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الإرهابية، والتي أسفرت، خلال إحدى الهجمات، عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

ووفقا لمعلومات المجلة، أبلغ السفير الروسي لدى مالي إيغور غروميكو، خلال لقاء مع أسيمي غويتا في 28 أبريل بقصر كولوبا، رغبة موسكو في تسوية الخلاف مع الجزائر، مذكرا بأن للجزائر خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، وأن قطع العلاقات معها حرم باماكو من معلومات استخباراتية كان يمكن أن تساعد في توقع هجوم 25 أبريل.

كما تشير “جون أفريك” إلى أن الجزائر لعبت، قبل ذلك، دورا في مفاوضات أفضت إلى انسحاب القوات الروسية والمالية من كيدال، المدينة التي كانت هذه القوات متحصنة فيها منذ بداية هجوم تحالف جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

تياني.. وساطة من داخل تحالف الساحل

لم تكن الوساطة الروسية وحدها وراء التحول في العلاقات، إذ لعب الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني دورا في الدفع نحو التقارب بين الجزائر ومالي.

وبحسب المجلة، بدأ موقف غويتا يتغير تدريجيا بعد زيارة تياني إلى الجزائر يومي 15 و16 فبراير الماضيين، حيث وضع الرئيس النيجري نفسه في موقع الوسيط، مستندا إلى تحالف دول الساحل.

وفي نهاية فبراير، وخلال اجتماع عقد في واغادوغو لوضع خارطة طريق السنة الثانية للتحالف، دعا الوفد النيجري إلى تنسيق العلاقات الدبلوماسية للدول الثلاث مع شركائها الأجانب، خاصة الجزائر التي تربطها علاقات جيدة بكل من النيجر وبوركينا فاسو.

وأدرجت في ختام الاجتماع ضرورة توحيد مواقف الدول الثلاث ضمن خارطة الطريق التي يفترض أن يعتمدها رؤساء دول تحالف دول الساحل.

وفي 8 جويلية الماضي، عاد الملف الجزائري إلى طاولة النقاش خلال لقاء وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب ونظيره الروسي سيرغي لافروف في نيامي، على هامش الدورة الثانية للمشاورات بين وزراء خارجية تحالف دول الساحل وروسيا.

وبدعم من بوركينا فاسو والنيجر، جدد لافروف الدعوة إلى تطبيع العلاقات بين الجزائر ومالي، قبل أن يعلن البلدان، بعد يومين، إعادة سفيريهما وفتح مجاليهما الجويين.

الكونغو تدخل على خط المصالحة

إلى جانب روسيا والنيجر، ساهمت الكونغو أيضا في دفع مسار التقارب، إذ استخدم الرئيس دينيس ساسو نغيسو نفوذه لتشجيع الجزائر ومالي على استعادة الحوار، باسم استعادة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.

وفي ماي، سلم وزير الخارجية الكونغولي قسطنطين-سيرج بوندا الرئيس عبد المجيد تبون رسالة بهذا الخصوص، قبل أن يوفد ساسو نغيسو، بعد شهر، الرئيس النيجري السابق محمدو إيسوفو إلى الجزائر.

وبحسب محلل من منطقة الساحل نقلت عنه “جون أفريك”، فإن “البراغماتية هي التي سادت، إلى جانب الوساطات”، معتبرا أن باماكو بحاجة إلى استئناف العلاقات مع الجزائر من أجل مراقبة التحركات عبر الحدود بشكل أفضل، خاصة في ظل التحالف بين المتمردين والجهاديين.

مصالحة لم تحسم نقاط الخلاف

ورغم بوادر التقارب، تؤكد “جون أفريك” أن نقاط الخلاف بين الجزائر وباماكو لم تختف، ومن المنتظر أن تكون حاضرة في المحادثات المقبلة بين البلدين، خاصة مع استعداد رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا لزيارة الجزائر خلال الأسابيع المقبلة بدعوة من نظيره الجزائري.

وتبقى كيفية التعامل مع الأزمة الأمنية في مالي من أبرز الملفات الخلافية. فالجزائر، التي قادت في السابق الوساطة الدولية لتطبيق اتفاق السلام الموقع عام 2015 بين تمرد الشمال وباماكو، لا تزال تدعو إلى حل سياسي، في حين تفضل السلطات المالية خيار الحل العسكري.