لا يبدو مشروع “كافرا جنوب شرق 1” مجرد عملية لحفر بئر استكشافي في شمال النيجر، بل يمثل اختباراً جديداً لقدرة سوناطراك على تحويل خبرتها التقنية إلى حضور اقتصادي مستدام خارج الحدود، فالمشروع يجمع بين الاستكشاف النفطي، وتوسيع نشاط فروع المجمع، وبناء شراكات محلية قد تمتد إلى إنشاء قدرات نيجرية في مجال الحفر.
وتراهن المؤسسة الوطنية للتنقيب “إينافور”، التابعة لمجمع سوناطراك، على إنجاح عملية حفر البئر الواقع على بعد نحو 85 كيلومتراً من الحدود الجزائرية-النيجرية، باعتبارها محطة أساسية في مسار تعزيز حضور المجمع في النيجر.
وأكد الرئيس المدير العام لإينافور، إبراهيم حمودي، أن المرحلة المقبلة ستتركز على تثبيت حضور الشركة في النيجر ضمن تعاون طويل الأمد، مع إعطاء الأولوية لمعايير السلامة والجودة وحماية العاملين والمعدات والبيئة.
من حفر الآبار إلى بناء صناعة محلية
اللافت في المشروع لا يرتبط فقط بما قد تكشف عنه أعمال الحفر من احتياطات، وإنما أيضاً بالمسار الذي تسعى سوناطراك إلى بنائه حول نشاطها في النيجر.
ففي الثاني من يونيو الماضي، أبرمت “إينافور” مع الشركة النيجرية للمحروقات “سونيديب” بروتوكول تفاهم لدراسة إمكانية إنشاء شركة مختلطة متخصصة في الحفر.
وفي حال تجسيد هذا المشروع، فإن التعاون لن يبقى محصوراً في تنفيذ عمليات استكشاف منفردة، بل يمكن أن يتجه نحو نقل الخبرة وتطوير قدرات الحفر المحلية وتكوين الكفاءات النيجرية.
وبذلك، يتحول النشاط الجزائري من مجرد تقديم خدمات تقنية إلى شراكة يمكن أن تساهم في بناء جزء من القدرات النفطية للنيجر.
سوناطراك تحشد فروعها في مشروع واحد
ويكشف التحضير لـ”كافرا جنوب شرق 1″ عن نموذج يعتمد على تجميع الإمكانات التقنية للمجمع بدل تنفيذ المشروع عبر مؤسسة واحدة فقط.
وتتولى “إينافور” دور المقاول الرئيسي، مع تنسيق مختلف الوسائل والمتدخلين، بينما تمت تعبئة المؤسسة الوطنية لخدمات الآبار والمؤسسة الوطنية للجيوفيزياء، إلى جانب فروع أخرى تساهم كل منها بخبرتها.
وتمنح هذه المقاربة المشروع قدرة عملياتية متكاملة، كما تسمح لسوناطراك بتوظيف خبرات متعددة داخل المجمع في عملية واحدة خارج الجزائر.
ويرى حمودي أن ثقة شركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج «سيبكس» في «إينافور» لتنفيذ العملية تمثل بدورها اعترافاً بالخبرة الجزائرية في إدارة عمليات الحفر في بيئات دولية.
أربع آبار جديدة على أجندة السنتين المقبلتين
ولا تتوقف رهانات سوناطراك عند “كافرا”، فقد كشف مدير «سيبكس» في النيجر، رابح بوشاك، أن استراتيجية الشركة خلال العامين المقبلين تتضمن إطلاق أربع آبار استكشافية في شمال النيجر، من بينها بئر “كافرا”.
وتكتسب هذه الخطة أهمية إضافية في ظل المؤشرات الأولية التي أظهرتها الدراسات المنجزة في المنطقة بالتوازي مع التحضيرات لعملية الحفر، والتي تشير إلى وجود إمكانات واحتياطات قد تكون قابلة للاستغلال.
وبذلك، يمكن أن يشكل “كافرا جنوب شرق 1” بداية مرحلة أوسع من النشاط الجزائري في النيجر، خصوصاً إذا أكدت أعمال الحفر التوقعات الجيولوجية الأولية.
رهان يتجاوز النفط
ويضع المشروع سوناطراك أمام رهان مزدوج: اكتشاف موارد جديدة من جهة، وبناء موطئ قدم تقني ومؤسساتي في السوق النفطية النيجرية من جهة أخرى.
فالنجاح بالنسبة للمجمع لن يقاس فقط بنتائج البئر، وإنما بقدرته على تحويل العملية إلى قاعدة لتوسيع الشراكات، ونقل الخبرة، وتطوير نشاط فروعه في المنطقة.
وفي هذا السياق، يأتي “كافرا” ضمن توجه أوسع لسوناطراك نحو تعزيز حضورها الإفريقي، بعدما راكمت تجارب في دول مجاورة، من بينها ليبيا، حيث شاركت في عمليات استكشاف عدة آبار نفطية.
وبين نتائج الحفر المرتقبة والشراكة التقنية المحتملة مع الجانب النيجري، تبدو سوناطراك أمام فرصة لتحويل مشروع استكشافي واحد إلى منصة لتوسيع نفوذها في قطاع الطاقة بغرب إفريقيا.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين