في قرية تيسبيلان التابعة لبلدية الجمعة بني حبيبي بولاية جيجل، لم تترك حرائق «الأربعاء الأحمر» وراءها غابات متفحمة وبيوتا منكوبة فحسب، بل خلّفت قصصا إنسانية يصعب روايتها من دون أن تختلط كلماتنا بالألم.

إحدى تلك القصص هي قصة مراد بوغابة، الذي توفي متأثرا بحروقه، بعدما قضى الساعات الأخيرة التي سبقت إصابته متنقلا بين البيوت، يساعد السكان على الفرار من النيران.

بحسب شهادة ميدانية نشرها أحمد إبراهيمي، الذي زار المنطقة والتقى أفرادا من عائلة بوغابة وجيرانه، تمكن مراد خلال الساعات الأولى للحريق من إخراج أفراد من عائلته وعائلات أقاربه إلى مكان أكثر أمانا داخل المسجد.

كانت النيران -وفق روايات السكان- تزحف بسرعة كبيرة نحو القرية، وسط ظلام كثيف اختلط فيه دخان الحرائق بوهج ألسنة اللهب. وفي تلك الظروف، عاد مراد رفقة أحد أصدقائه إلى المساكن المحيطة، بحثا عن أشخاص ما يزالون عالقين.

وتقول الشهادة إنه تمكن خلال تلك الرحلات من المساهمة في إنقاذ أكثر من 30 شخصا، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، فنُقل بعضهم إلى المسجد و إلى مستودع يقع أسفله، فيما ساعد آخرين على الوصول إلى أماكن اعتقد أنها أكثر أمانًا.

كان بإمكانه أن يبقى هناك. لكنه عاد! وكانت كل عودة إلى القرية تعني اقترابا جديدا من النار.. ومن أجل محتوم.

خمسة أمتار فقط

في مكان غير بعيد عن المسجد، كانت مأساة أخرى تتشكل في اللحظة نفسها.

صديق مراد، الذي كان يشاركه عمليات الإنقاذ، لم يتمكن من النجاة. وبحسب الشهادة، قضى مع زوجته وثلاثة من أبنائه، على مسافة لم تكن تفصلهم عن مكان آمن سوى أمتار قليلة.

وفي الجهة الأخرى من القرية، توفي أيمن، ابن مراد، رفقة خاله وخالته، أما مراد، فلم يكن يعلم حينها بما أصاب ابنه أو صديقه وعائلته.. كان لا يزال يحاول إنقاذ آخرين.

وتشير الرواية إلى أنه وصل في إحدى محاولاته الأخيرة إلى منزل أقارب له، بعدما ساعد بعض العائلات على الاحتماء هناك، قبل أن تحاصره النيران وتصيب أجزاء واسعة من جسده بحروق بالغة.

آخر الخطوات

بعد مرور موجة اللهب الأكثر فتكا، خرج مراد من المكان الذي احتمى فيه، وكان مصابا بشدة.

وتقول شهادة أقاربه إنه حاول الدوران حول المنزل بحثا عن مدخل مفتوح، أو نافذة، أو ماء، أو أي شيء يمكنه أن يخفف عنه ألم الحروق.

الصور التي التُقطت في المكان لاحقا تظهر آثار أقدام داكنة ومتتابعة على الأرض. ويقول صاحب الشهادة وأفراد من العائلة إنها آثار الخطوات التي تركها مراد وهو يحاول الوصول إلى داخل المنزل بعد إصابته، آثار تبدأ من جانب المنزل، تستمر حوله، ثم تتوقف.

احترقت قدمي مراد فخلّفت لحما ودما وقصة بطولة

هناك سقط مراد فاقدا للوعي.

وتمنح هذه الآثار الصغيرة على الأرض القصة كلها شكلا ماديا مؤلما: رجل نجا للحظات من النار، لكنه كان يسير بجسد أنهكته الحروق باحثا عن النجاة بعد أن أمضى ما بقي له من قوة في مساعدة الآخرين.

«افتح لي هاتفي»

بعد هدوء الحريق، عثر عليه أحد أقاربه وحاول إسعافه وتخفيف آلام الحروق بالماء.

وفي واحدة من آخر التفاصيل التي نقلتها العائلة، طلب مراد من قريبه أن يفتح هاتفه لأنه لم يعد قادرا على استعمال أصابعه المحترقة، ليس معروفا على وجه اليقين بمن كان يريد الاتصال، لكن العائلة تعتقد أنه كان يريد معرفة مصير الأشخاص الذين تركهم في المسجد والمنازل التي ساعد سكانها على الاحتماء بها، لكن الهاتف نفسه كان قد تضرر.

نُقل مراد بعدها إلى المستشفى، حيث بقي تحت الرعاية الطبية ثلاثة أيام، قبل أن يفارق الحياة متأثرا بإصاباته، وتُنقل قصته إلى العلام.

قصة واحدة من قرية منكوبة

لم يكن مراد الضحية الوحيدة في تيسبيلان.

فبحسب شهادات سكان المنطقة، فقدت القرية والمداشر المجاورة عددا كبيرا من أبنائها خلال الحرائق التي اجتاحت مدينة الجمعة بني حبيبي، وبينهم أفراد من عائلة مراد وأقاربه وجيرانه.

ولهذا فإن قصته لا تختصر مأساة المكان، لكنها تكشف جانبا آخر منها.

ففي الوقت الذي كان فيه الناس يفرون من النار بحثا عن الحياة، كان هناك من يعود باتجاهها بحثا عن شخص آخر لم يتمكن بعد من الهرب.

جنازة مراد

ربما لهذا ستبقى آثار تلك الأقدام أكثر من مجرد علامات على أرضية منزل في قرية منكوبة. إنها آخر ما بقي من رحلة رجل خرج لينجو بأسرته، ثم قرر أن يعود من أجل الآخرين.

كانت آخر خطوات مراد بوغابة خطوات بين النار والنجاة.. خطوات انتهت عند ذلك المنزل، بعدما عبر بها عشرات الأشخاص إلى الجانب الآخر من الموت.