تتسارع اليوم وتيرة التحول الرقمي عبر العالم بشكل لم يعد يُسمح لأي دولة بالتقاعس أو التردد.

ما يسمى بالحكومة الإلكترونية لم يعد مفهوماً تجريبياً أو طموحاً نظرياً، بل صار البنية التحتية الجديدة للدولة الحديثة، تماماً كما كانت الكهرباء والسكك الحديدية في القرن التاسع عشر أو النفط في القرن العشرين.

إن الانتقال من الإدارة الورقية البطيئة والمجزأة إلى إدارة رقمية شفافة وفعّالة، يعني الانتقال من دولة مُثقلة بالبيروقراطية إلى دولة رشيقة قادرة على المنافسة الإقليمية والدولية، وهذا هو التحدي الذي يواجه الجزائر اليوم في أفق العقد المقبل.

إذا نظرنا إلى التجارب الدولية نجد أن الرقمنة لم تعد خياراً سياسياً ثانوياً بل شرطاً وجودياً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

لنأخذ الهند على سبيل المثال، الدولة التي يسكنها 1.5 مليار شخص، استطاعت أن تبني في سنوات قليلة ما يسمى بالبنية التحتية الرقمية العامة (DPI)، من هوية بيومترية وطنية إلى نظام دفع لحظي يشمل مئات الملايين من المواطنين.

نتيجة ذلك، صار من الممكن اليوم تحويل الإعانات الحكومية مباشرة إلى المستفيدين، وتوفير مليارات الدولارات كانت تتبخر في قنوات الفساد أو ضياع الكفاءة، ناهيك عن تحسين عملية اتخاذ القرار المبني على بيانات دقيقة.

إلى ماليزيا، التي تُشبهنا في كل شيء تقريبا، طورت نظام “MyDigital ID” الذي أتاح للمواطنين الدخول إلى عشرات الخدمات بواجهة موحدة، ما قلل الزمن والتكلفة وحسّن الشفافية.

تركيا أيضا، الدولة التي يسكنها 85 مليون شخص،سلكت طريقاً مماثلاً، إذ نجحت منذ أكثر من عقد في إنشاء بوابة وطنية للخدمات الإدارية الإلكترونية (e-Devlet)، وأصبحت الدولة التي كانت تُعرف بثقل إدارتها واحدة من النماذج التي يُحتذى بها في المنطقة.

أما الجزائر، فرغم محاولات متفرقة ومبادرات جزئية في قطاعات محدودة، ما زالت متأخرة على هذا المسار.

تقرير الأمم المتحدة الأخير لتطور الحكومة الإلكترونية وضع البلاد في المرتبة 116 عالمياً، وهو رقم لا يليق بإمكانات البلد ولا بطموحات شبابه ولا بقدراته المالية والبشرية.

تقرير الأمم المتحدة وضع البلاد في مرتبة متأخرة (116) وهي مرتبة لا تليق بشباب الجزائر المتفرّد في النجاح محليا ودوليا

المشكلة ليست في غياب الوعي بأهمية الرقمنة، فالنقاشات قائمة والندوات تعقد منذ سنوات ورئيس البلاد قال إنه سيتخذ إجراءات راديكالية إذا فشل التحول الرقمي بنهاية سنة 2025، إذن المشكل في غياب الإرادة الإدارية الصلبة لتوحيد الجهود وتحويل الموضوع إلى مشروع وطني استراتيجي، يخرج من منطق التجزئة والإدارة القطاعية الضيقة إلى منطق الدولة المركزية المتماسكة التي تقود التحول من الأعلى.

الخدمة الرقمية ليست ترفاً بل حقّ يغيّر علاقة المواطن بالدولة ويعيد الثقة المفقودة بينه وبين الإدارة.

الحكومة الإلكترونية ليست مجرد “موقع إلكتروني” يتيح تحميل بعض الاستمارات، بل هي فلسفة كاملة لإعادة هندسة العلاقة بين المواطن والدولة.

حين يتحول تجديد وثيقة أو دفع ضريبة أو تقديم طلب إداري إلى عملية لا تتطلب سوى دقائق عبر تطبيق موحد، فإن معنى المواطنة ذاته يتغير.

المواطن لم يعد يقف في طوابير طويلة أو يبحث عن وساطات، بل يشعر أنه في قلب عملية شفافة وسريعة. هذه الثقة هي التي تخلق دورة إيجابية: مزيد من الرقمنة يعني مزيداً من الشفافية، ومزيداً من الشفافية يعني تراجع الفساد وزيادة الثقة في المؤسسات، وهذه بدورها تجذب الاستثمار وتخلق بيئة أعمال صحية. لذلك، فإن الحديث عن “الرفاه” أو “النمو الاقتصادي” بمعزل عن التحول الرقمي لم يعد واقعياً.

الجزائر تواجه معوقات موضوعية، بعضها تقني وبعضها ثقافي وبعضها سياسي.

من جهة، لا تزال شبكة الإنترنت ضعيفة نسبياً خارج كبريات المدن، ما يعمّق الفجوة الرقمية بين المركز والأطراف.

ومن جهة أخرى، البيروقراطية الموروثة من عقود طويلة ما زالت تُقاوم التغيير، إذ يخشى كثير من الموظفين فقدان سلطتهم أو وظائفهم في حال أتمتة الإجراءات.

وكذلك التشريعات ما زالت متأخرة، فقوانين التوقيع الإلكتروني، وحماية البيانات الشخصية، والتبادل البيني بين الإدارات، كلها إما غير مكتملة أو غير مطبقة فعلياً.

والأهم من ذلك كله غياب قيادة مركزية تضع الملف على رأس الأولويات وتخصص له الموارد والإشراف المباشر، كما فعلت دول مثل الهند أو ماليزيا حيث تبنت السلطة السياسية أعلى المستويات هذا التحول كجزء من مشروع وطني شامل.

التحول الرقمي ليس ترفاً تقنياً ولا ملفاً ثانوياً، بل هو شرط أساسي لدخول الاقتصاد الجزائري في المنافسة العالمية.

الجزائر اليوم في موقع متوسط، فهي ليست من الدول الفقيرة تكنولوجياً التي تفتقر إلى الموارد، وليست أيضاً من الدول المتقدمة رقمياً.

هذا “الموقع الرمادي” قد يكون خطيراً إذا استمر، لأن الدول التي لا تتقدم في عالم الرقمنة ستتراجع بالضرورة.

إن البقاء خارج السباق يعني خسارة فرص استثمارية كبرى، وتراجع القدرة على جذب الشركات العالمية، وضعف القدرة على مراقبة الإنفاق والصفقات العمومية، وبالتالي اتساع رقعة الفساد واللامساواة.

من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى مشروع وطني جاد للرقمنة، مشروع يتجاوز حدود وزارة أو هيئة معينة ليصبح برنامج دولة يُعلن في أعلى المستويات، برعاية مباشرة من رئيس الجمهورية وبإشراف جهة مركزية تضم خبراء وطنيين ودوليين، وتُمنح صلاحيات التنسيق مع جميع القطاعات.

هذا المشروع لا بد أن يرتكز على أعمدة واضحة: هوية رقمية وطنية مؤمنة وشاملة، وبوابة موحدة للخدمات العامة، ونظام دفع إلكتروني وطني، وبنية تحتية للبيانات المترابطة بين الوزارات، وإطار تشريعي صارم لحماية البيانات وضمان الشفافية. من دون هذه الأعمدة، ستظل الجهود متناثرة بلا أثر ملموس.

إن المقارنة بدول مثل الهند أو ماليزيا أو تركيا ليست دعوة للاستنساخ، بل للتعلم واختصار الوقت والطريق. الجزائر تملك خصوصياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، لكن القاسم المشترك هو أن هذه الدول نجحت في تحويل الرقمنة إلى قضية سيادية، وملف يدار من قلب السلطة السياسية لا من هوامشها.

الهند لم تكن دولة غنية عندما أطلقت مشروع “آدهار” للهوية الرقمية، لكنها جعلته قضية وطنية، فتمكنت في أقل من عقد من تسجيل أكثر من مليار مواطن في النظام.

ماليزيا، رغم صغر حجمها مقارنة بالجزائر، عرفت كيف تبني مشروعاً مركزياً موحداً يتيح لها اليوم القفز إلى مراتب متقدمة.

تركيا أيضاً أظهرت أن الإرادة السياسية إذا ترافقت مع استثمار في البنية التحتية والمؤسسات، يمكن أن تغيّر الصورة جذرياً في سنوات قليلة.

الجزائر أمام خيار تاريخي: إما أن تعترف بأن زمن الإدارة الورقية قد انتهى وتشرع فوراً في بناء دولة رقمية شاملة ترعاها سلطة سياسية قوية، أو أن تظل عالقة في جدالات جانبية ومبادرات محدودة لا تُغير الواقع.

التحول الرقمي ليس مشروع خمس سنوات، بل مشروع جيل كامل، لكن الشروع فيه يتطلب قراراً سيادياً عاجلاً. كل يوم تأخير يعني كلفة إضافية وخسارة فرص، وكل عام يمر من دون تقدم ملموس يعني اتساع الفجوة مع الجيران ومع العالم.

وإذا كانت الدولة قد تبنت من قبل مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية أو الطاقة أو الدفاع باعتبارها قضايا سيادية، فلماذا لا يُعامل ملف الرقمنة بذات الجدية والسيادية؟ إن بناء حكومة إلكترونية جزائرية ليس قضية تقنية بل قضية سيادة وطنية.

نختم بأن الجزائر بحاجة إلى جرأة سياسية تعلن أن التحول الرقمي مشروع وطني فوق حزبي وفوق قطاعي، يقوده رأس الدولة مباشرة، وتُعبأ له الموارد المالية والبشرية والمؤسساتية ويُستفاد فيه من الطاقات المحلية والمهاجرة.

المطلوب ليس إنشاء لجنة جديدة أو إطلاق منصة جزئية، بل وضع خطة عشرية متكاملة تربط بين الرقمنة والاقتصاد والشفافية والعدالة الاجتماعية، وتضع مؤشرات دقيقة للقياس والمساءلة. في غياب ذلك، سنظل نراوح مكاننا بينما العالم يتغير بسرعة هائلة.

إن المواطن الجزائري الذي يتابع كيف يحصل صديقه في ماليزيا على بطاقة هوية رقمية في دقائق، أو كيف يدفع قريبه في تركيا ضرائبه عبر الهاتف، أو كيف يتلقى المواطن في الهند إعانته الحكومية مباشرة على محفظته الرقمية، لن يقبل أن يظل واقفاً في طوابير الإدارات بملفات ورقية وأختام زرقاء.

المستقبل يُصنع الآن، والجزائر إن لم تدرك هذه الحقيقة وتتحرك بالسرعة اللازمة، ستدفع ثمناً باهظاً في تنافسية اقتصادها وثقة مواطنيها.