لقد تم تأكيد خبر تعيين قائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر، بعد استدعاء السفيرة إليزابث مور أوبين (Elizabeth Moore Aubin)، ضمن حركة واسعة لاستدعاء حوالي 30 سفيرا عبر العالم من طرف إدارة ترمب.
القائم بالأعمال الجديد هو مارك أي شابيرو (Mark A. Schapiro) وهو من الإطارات السامية لكتابة الدولة للخارجية الأمريكية، علما أن مارك شابيرو قد تولى منصبا ديبلوماسيا في نفس السفارة ما بين 2007 و 2009 ، في الدائرة السياسية للسفارة، وهو ملم بالشأن الجزائري بصفة معمقة و تقن للغتين العربية والفرنسية، وقد شغل عدة مناصب ديبلوماسية في الوطن العربي.
وتداولت أسئلة كثيرة عن أسباب تأخر تعيين سفير جديد للولايات المتحدة الأمريكية بالعاصمة الجزائرية، لا سيما تعيين قائم بالأعمال، الأمر الذي يعد استثنائيا بحيث تعمد الدول إلى تعيين قائما بالأعمال في حالات تقليص التمثيل الديبلوماسي أو بروز أزمة ديبلوماسية في الأفق.
يذكر أن إدارة بايدن قد رشحت قبل نهاية العهدة، الديبلوماسي الأمريكي جوشوا هاريس (Joshua Harris) لخلافة السفيرة إليزابث مور أوبين، ولكن عند وصول الأغلبية الجمهورية إلى مجلس الشيوخ حالوا دون انتخاب تعيينه، و أحيل أمر التعيين إلى البيت الأبيض مرة أخرى.
الوعد المحافظ وتفكيك الجهاز الإداري للدولة
كي نفهم خلفيات هذا التعيين، يجب علينا أن نعود إلى الوثائق المرجعية المؤسسة لعمل الإدارة الأمريكية الحالية والمتمثلة أساسا فيما ورد من توجيهات بشأن تعيين سفراء الولايات المتحدة في “مشروع 2025” (Project 2025)، وتحديدًا في الوثيقة الرئيسية “عهدة من أجل القيادة: الوعد المحافظ” (Mandate for leadership : Conservative promise) و هو دليل السياسات مكون من 920 صفحة والذي نشرته مؤسسة (Heritage Fundation) المحافظة، عام 2023 كجزء من “مشروع 2025”.
يتناول الفصل المخصص لوزارة الخارجية، والذي ألفه كيرون ك. سكينر(Kiron K. Skinner)، وهو مسؤول سابق في العهدة الأولى لدونالد ترامب، مسألة السفراء والتعيينات الدبلوماسية بشكل صريح. وفيما يلي النقاط الرئيسية:
1-إيلاء الأولوية لتعيين “سفراء سياسيين” ذووا ولاء كبير للرئيس ترمب: توصي الوثيقة بشدة بتعيين سفراء سياسيين (سفراء خارج السلك الديبلوماسي، من ذوي الخلفية السياسية أو المقربين شخصيًا من الرئيس) بدلًا من الدبلوماسيين المحترفين.
وتؤكد على ضرورة أن يتمتع هؤلاء السفراء بعلاقات شخصية متينة مع الرئيس لضمان الولاء الكامل والتنفيذ الأمين للسياسة الخارجية المحافظة. ويُطرح هذا الأمر باعتباره أساسيًا للمناصب الاستراتيجية الرئيسية.
2-تطهير السلك الديبلوماسي الحالي: يُوصى صراحةً بعزل جميع المسؤولين في وزارة الخارجية صباح يوم 20 يناير 2025 (يوم التنصيب)، بمن فيهم السفراء الحاليون. والعبارة الأساسية هي: “لا ينبغي لأي شخص يشغل منصبًا قياديًا صباح يوم 20 يناير أن يبقى في منصبه حتى نهاية اليوم”. ويشمل ذلك السفراء وكبار المسؤولين الدبلوماسيين.
أمثلة على المناصب ذات الأولوية: يُشير النص تحديدًا إلى السفارات الاستراتيجية التي ينبغي فيها إعطاء الأولوية للسفراء السياسيين الموالين: أستراليا، واليابان، والمملكة المتحدة، والأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
والهدف من ذلك هو تعزيز التوافق مع سياسة “أمريكا أولًا” العدوانية (المناهضة للصين، وغيرها).
تُعدّ هذه التوصيات جزءًا من الهدف العام لمشروع 2025، وهو تفكيك “الجهاز الإداري للدولة الموروث عن إدارة الديموقراطيين” واستبدال موظفي الخدمة المدنية بموظفين موالين لتجنب أي مقاومة داخلية للأجندة المحافظة.
وتنتقد الوثيقة الدبلوماسيين المحترفين باعتبارهم “يساريين” محتملين أو منفصلين عن أولويات الرئيس.
إرساء دعائم ديبلوماسية الأعمال
لعل التوجه الذي اعتمدته الإدارة الأمريكية في عهدة ترمب الثانية، تندرج ضمن استراتيجية “أمريكا أولا”، و أفضت إلى استبعاد كل الإطارات التي تم تعيينها في عهد بايدن، وتبديلها بكفاءات ذات ولاء للإدارة الحالية أو ذات تفاهمات مقاولاتية، مثلما هو الحال مع السفير الأمريكي بالرباط، بالمملكة المغربية، ريتشارد ديوك بوكان (Richard Duke Buchan III)، و هو رجل أعمال، مؤسس والرئيس التنفيذي السابق لشركة هانتر غلوبال إنفستورز (شركة استثمارية خاصة، مقرها نيويورك ثم بالم بيتش).
ويتمتع بمسيرة مهنية طويلة في مجال التمويل الدولي (عمل سابقًا لدى ميريل لينش)، وأقام أعمالًا تجارية في أكثر من 50 دولة (بما فيها المغرب)، وهو مانح رئيسي للحزب الجمهوري (رئيس الشؤون المالية الوطنية السابق للجنة الوطنية الجمهورية). شغل سابقًا منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسبانيا (2017-2021). يُعد هذا التعيين مثالًا كلاسيكيًا على التعيينات السياسية لرجل أعمال مخضرم.
نجد أيضا بنيامين ليون الابن (Benjamin Leon, Jr) سفير الولايات المتحدة لدى إسبانيا (وأندورا) ، و هو رجل أعمال كوبي-أمريكي في قطاع الصحة (مدير تنفيذي في مجال الرعاية الصحية). رجل أعمال ناجح، يُوصف غالبًا بأنه عصامي في مجال الطب والرعاية. رُشِّح في أوائل عام 2025، وتمت المصادقة على تعيينه في أواخر عام 2025. يُمثل شخصية نموذجية : مانح جمهوري ثري بدون خلفية دبلوماسية.
و لقد تم تعيين جو بوبولو الابن (Joe Popolo, Jr) سفير للولايات المتحدة لدى هولندا، وهو مؤسس ورئيس تنفيذي لشركة تشارلز آند بوتوماك كابيتال، وهي شركة استثمارية خاصة تركز على التكنولوجيا والرعاية الصحية والإعلام والطاقة والعقارات (مقرها دالاس). أُعلن عن تعيينه في أوائل عام 2025 كـ”قائم أعمال” وتمت الموافقة عليه. يجسد أسلوب ترامب: مستثمر خاص يُكافأ على دعمه.
ولدينا أيضا آرثر فيشر (Arthur G. Fisher) الذي تم تعيينه سفيرا للولايات المتحدة لدى النمسا، وهو مؤسس شركة عقارية في ولاية كارولاينا الشمالية. يوصف بأنه “داعم قوي لسياسة أمريكا أولاً” ورجل أعمال مرموق. رُشِّح في منتصف عام 2025، وتمت الموافقة عليه في أكتوبر 2025. وهو متبرع محلي ورائد أعمال يحظى بشهرة عالمية.
وارن ستيفنز، وهو سفير الولايات المتحدة لدى المملكة المتحدة، ملياردير مصرفي مستثمر، ورئيس تنفيذي لشركة استثمارية كبرى (ستيفنز إنك، وهي بنك استثماري مملوك لعائلة). ساهم بشكل كبير في حفل تنصيب ترامب (بملايين الدولارات).









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين