من أزقة مدينة البليدة تحت ظلال جبال الأطلس البليدي، إلى ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك المشتعلة بأضواء كأس العالم 2026، ترتسم واحدة من أكثر قصص كرة القدم إنسانية وإلهاماً.
ويتعلق الأمر بقصة ويلفريد سينغو، الذي تحدى الجغرافيا، والفقر، والحدود ليتحول من “حراق” في الجزائر، يبحث عن لقمة العيش إلى نجم عالمي يشارك رفقة منتخب بلاده في أبرز منافسة كروية، مونديال 2026.
“الحراق” الذي احتضنته مدينة الورود
في العقد الثاني من الألفية الحالية، وصل شاب إيفواري نحيل يُدعى ويلفريد سينغو إلى الجزائر.
لم يأتِ على متن طائرة فاخرة، ولم يكن يحمل عقداً احترافياً، بل دخل البلاد خلسةً، عابراً دروباً محفوفة بالمخاطر بحثاً عن بصيص أمل.
استقر سينغو في مدينة البليدة، وهناك عاش حياة قاسية عمل في وظائف متفرقة شاقة لكسب قوته اليومي، لكن شغفه الأكبر كان ينبض بين قدميه.
في أوقات فراغه، كان يقصد ملاعب الأحياء الشعبية بالبليدة ليمارس هوايته المفضلة.
وسرعان ما لفت الأنظار بطول قامته وبنيته القوية وموهبته الفذة، ورغم ذلك لم يستطع اللاعب الانضمام إبلى أي فريق محلي بسبب وضعيته غير القانونية.
ولم ير ساكنة البليدة، فيه مجرد مهاجر سري، بل احتضنوه كواحد منهم بجود وكرم الروح الجزائرية الأصيلة.
ركوب “قوارب الموت” نحو المجد
أدرك سينغو أن حلمه بأن يصبح لاعباً محترفاً سيموت إذا استسلم للأمر الواقع.
وفي قرار شجاع ومأساوي في آن واحد، قرر ركوب البحر الأبيض المتوسط، مخادعاً الأمواج في رحلة “حرقة” للوصول إلى الشواطئ الإيطالية.
في أوروبا، ابتسمت له الساحرة المستديرة أخيراً مكافأةً على صموده الأسطوري، حيث انضمّ في سنة 2019 إلى تورينو، أين تدرج سريعاً ليثبت أقدامه كأحد أفضل الأظهرة الصاعدة في “الكالتشيو”.
وفي سنة 2021، انتقل إلى نادي موناكو الفرنسي ليرسخ مكانته كأحد أبرز المدافعين في الدوري الفرنسي، قبل أن يقوده طموحه إلى غلطة سراي التركي.
واستُدعي اللاعب في سنة 2023، لتمثيل منتخب بلاده “الأفيال”، وساهم في تربع ساحل العاج على عرش إفريقيا بالتتويج بلقب كان 2023.
كابوس الإصابة والعودة من الباب الكبير
لم تكن الطريق مفروشة بالورود دائماً، فحين كان سينغو في أوج عطائه كركيزة أساسية لمنتخب الأفيال، داهمه تمزق عضلي من الدرجة الثانية (ج) ونزيف حاد في عضلات الجزء الخلفي الأيسر، مما حرمه من المشاركة في كأس أمم إفريقيا 2025.
وخلال غيابه، استغل منافسه المباشر غيلا دويه (لاعب ستراسبورغ) الفرصة وتألق بشكل لافت، مما غيّر ترتيب الحسابات لدى المدرب إيميرس فاي.
لكن سينغو، الذي اعتاد على مصارعة أمواج البحر وظروف الحياة، عاد في 2026 بكامل لياقته البدنية ليثبت أنه قوة لا تُقهر، متألقاً مع غلطة سراي في مراكز متعددة (جناح، وظهير، وخط وسط دفاعي)، حيث شارك في 20 مباراة مقدماً 3 تمريرات حاسمة.
ليلة ترويض الريدز وعيونه على المونديال
قبل أسابيع قليلة من المونديال، وفي مواجهة ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا ضد ليفربول الإنجليزي، قدّم سينغو أداءً خارقاً للعادة كان بمثابة إعلان رسمي لعودته الجاهزة للعالمية.
كان كابوساً حقيقياً لمهاجمي “الريدز”، حيث لعب المباراة كاملة، محققاً 7 نقاط دفاعية، ومستعيداً 8 كرات، ومكملاً 10 سباقات سريعة على أرض الملعب، مؤكداً مرونته التكتيكية العالية.
وشارك ابن أبيدجان البالغ من العمر 25 عاماً في كأس العالم 2026 من أوسع أبوابه، ليس كاسم في تشكيلة منتخب بلاده فقط، بل كرمز للقوة والتشبث بالأحلام.
ويخوض المنتخب الإيفواري، اليوم السبت على الساعة التاسعة مساءً (21:00)، مباراة تعد بالفرجة أمام المنتخب الألماني.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين