في قلب صحراء مشتعلة بالتوترات، تدور معركة خفية تتجاوز مجرد إسقاط طائرة مسيّرة. إنها مواجهة دبلوماسية خطيرة بين الجزائر وتحالف دول الساحل يقوده انقلابيون.

هل أصبحت الجزائر هدفًا لحرب بالوكالة؟ وماذا وراء هذه الهجمات المستفزة؟ تقرير “أوراس” يكشف الخلفيات والأجندات المخفية التي تُحرك الأزمة، ويقدم تحليلات حصرية من خبراء السياسة والأمن.

تفاقم التوتر بين الجزائر وتحالف دول الساحل، بعد إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة مسلحة اخترقت أجواء البلاد.

وبمجرد إعلان وزارة الدفاع عن الواقعة، دخلت الأزمة منعطفًا خطيرًا، تجلى في اتهامات من مالي ورد غاضب من الجزائر.

رد دبلوماسي حازم وتصعيد غير مسبوق

رفضت الجزائر بشدة الاتهامات المالية، ووصفت البيان المشترك لتحالف الساحل بأنه “تصعيد غير مبرر” وخارج عن الأعراف الدبلوماسية.

وردًا على استدعاء سفراء الدول الثلاث من الجزائر، اتخذت الجزائر إجراءً مماثلًا، وأعلنت تجميد اعتماد سفيرها الجديد في واغادوغو واستدعاء سفيريها من باماكو ونيامي، ثم أغلقت مجالها الجوي أمام مالي.

“انقلابيو مالي رهينة لأجندات خارجية”

وبخصوص خلفيات التصعيد، يرى المحلل السياسي توفيق بوقاعدة  في تصريح “لأوراس” أن القيادة العسكرية في مالي باتت رهينة لإملاءات خارجية.

ورأى أن هذه الأطراف تسعى لإفشال جهود الجزائر في تطبيع علاقاتها مع الانقلابيين خدمةً لاستقرار الشعب والمنطقة.

وشدد على أن الاستفزازات المتكررة من طرف باماكو تؤكد رغبتها في التصعيد المستمر رغم المبادرات الجزائرية.

واعتبر بوقاعدة أن بيان الخارجية الأخير أنهى فعليًا “مرحلة الحلم” مع هذه القيادة، وأوضح أن أي تجاوز مستقبلي سيُواجه بصرامة.

وفي المقابل، لفت إلى أن البيان حافظ على “شعرة معاوية” مع النيجر وبوركينا فاسو، داعيًا إياهما لمراجعة موقفيهما.

ودعا البيان الدولتين إلى عدم الانسياق وراء “الأكاذيب المفضوحة” التي تروجها باماكو لخدمة أجندات معروفة.

سيناريوهات محتملة

وتوقع بوقاعدة أن الجزائر تجد نفسها اليوم أمام سيناريوهين محتملين في إدارة العلاقة مع هذه الدول.

السيناريو الأول يتمثل في تراجع هذه الدول عن التصعيد، ورفض التدخلات الخارجية، وهو ما يفتح باب التهدئة والتنسيق من جديد.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على المضي في التصعيد، ما يعني الانزلاق نحو الفوضى، وتكريس الاستقطاب الدولي في المنطقة.

وحذر من أن الخاسر الأكبر في هذا الخيار سيكون شعوب الساحل، التي ستُحرم من مشاريع التنمية والاندماج الإقليمي.

وأشار إلى أن من أبرز المشاريع المعطلة سيكون خط الغاز العابر للصحراء، الذي تراهن عليه الجزائر منذ سنوات.

كما نبه إلى أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى انفجار أمني واقتصادي، وعودة للحروب الأهلية داخل هذه الدول.

وأعرب عن مخاوفه من أن تصبح مشاريع تقسيم المنطقة إلى دويلات أمرًا واقعًا تُهيئ له مخابر غربية منذ فترة.

ويرى أن مثل هذا السيناريو يكرّس الاستغلال الممنهج لثروات دول الساحل، وسط تهميش تام لحقوق شعوبها.

“الجزائر تلتزم بضبط النفس لكنها لا تتساهل في السيادة”

وفي قراءة أمنية، أكد الخبير الأمني أحمد ميزاب أن الجزائر تعتمد على مسلمة أساسية لا تقوم على التصعيد، بل على التهدئة والنفس الطويل والصبر الاستراتيجي في التعامل مع هذا الملف.

وأوضح أنه رغم المحاولات الاستفزازية المتكررة، إلا أن الجزائر تلتزم بالهدوء، لكن حين تمس الأمور السيادة وتدخل في أجندات خارجية تستهدف استقرار المنطقة، فلا بد من وضع النقاط على الحروف.

وأشار إلى أن الجزائر لطالما حاولت تجاوز هفوات الأطراف الأخرى بدافع حسن الجوار، لكنها تقابل التجاوزات الكبرى، مثل تزييف الوقائع، بالحزم والصرامة.

وقال ميزاب إن الجزائر الآن تضع الصورة الحقيقية كما هي، وتكشف الحقائق دون مواربة، بعد أن تمادت مالي باتهامات باطلة لا يمكن السكوت عنها.

وأضاف أن الرد الجزائري، بلغته الحادة والمباشرة، شكّل صدمة للطرف الآخر الذي راهن على صمت الجزائر.

وأشار إلى أن بيان الخارجية كشف معطيات دقيقة على المستويين التقني والدبلوماسي، وقدّم توصيفًا واقعيًا ومتكاملًا للمشهد.

وفي هذا الاتجاه، دعم الخبير السياسي توفيق بوقاعدة هذا الطرح، معتبرًا أن الموقف الجزائري يعكس نهاية مرحلة التساهل مع السلطة المالية.

واعتبر  ميزاب أن ما نعيشه اليوم أزمة حقيقية وقد تكون غير مسبوقة، لكنها تُدار في إطار حرص الجزائر على التهدئة.

وشدد على أن القنوات لا تزال مفتوحة للحوار، حفاظًا على استقرار المنطقة، لكن من حق الجزائر الدفاع عن مصالحها وسيادتها وكشف الحقائق كاملة إذا اقتضى الأمر.

حكومات الانقلاب في الساحل تخوض حربًا بالوكالة

من جانبه، أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، رضوان بوهيدل، لـ”أوراس” أن ما قامت به الجزائر هو ردة فعل طبيعية في إطار الدفاع عن سيادتها، بعدما سحبت دول تحالف الساحل، التي تحكمها سلطات انقلابية، سفراءها من الجزائر للتشاور.

وأوضح أن الجزائر تعاملت بالمثل من منطلق حقها المشروع في حماية سيادتها.

معتبرًا أن هذه الخطوات قد تكون بداية لتصعيد مرتقب، على الأقل في هذه المرحلة، مع قرار غلق المجال الجوي أمام الرحلات الجوية القادمة من مالي أو المتجهة إليها، ردًا على ما وصفته بـ “الاختراقات المتكررة” للمجال الجوي الجزائري من طرف مالي.

وأشار بوهيدل إلى أن القرار الذي أصدرته وزارة الدفاع الوطني، دون غيرها يحمل دلالة على أن القضية أصبحت تتعلق بالأمن القومي، وبالتالي من حق الجزائر اتخاذ إجراءات مماثلة مثل استدعاء سفراءها في الدول المعنية للتشاور، وهو ما يعكس احترامها لحقها السيادي.

وأضاف أن الجزائر حذرت من خلال بيان وصفه بـ” العقابي” لوزارة الخارجية من تصرفات دول الساحل، خاصة تلك التي تخطت حدودها في التعامل مع الجزائر.

وبخصوص الاتهامات أوضح  أن الطائرة أسقطت داخل الحدود الجزائرية، مؤكدًا أن الجزائر من حقها إسقاط أي طائرة  ترى أنها تشكل خطرًا على أمنها.

وأضاف أن الجزائر حاولت دائمًا الحفاظ على علاقاتها مع هذه الدول عبر تقديم مساعدات إنسانية، إلا أن التصعيد الأخير دفع الجزائر إلى اتخاذ إجراءات حازمة.

وفي هذا السياق، تساءل بوهيدل عن من يحكم اليوم في دول الساحل، ويعتقد أن هذه الحكومات تمارس “حربًا بالوكالة” ضد الجزائر في هذه الظروف الراهنة.

وأكد بوهيدل أن مستقبل العلاقات مع دول الساحل يعتمد على اعتذار مالي عن تصرفاتها الأخيرة، أو على الأقل عودة الحكومات المدنية إلى السلطة في هذه الدول التي تمر بمرحلة انتقالية.

اختلاف جذري في مقاربة الأمن والإرهاب

ويذهب المحلل وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حمزة حسام، إلى تحليل أكثر عمقًا، حيث يرى أن الرد الجزائري جاء بعد سلسلة من الرسائل الودية من رئيس الجمهورية الجزائرية للشعب المالي، والتي كانت تحمل احترامًا وتقديرًا كبيرًا لهذا الشعب.

لكن تمادي الحكومة الانقلابية في خطابها المعادي دفع بالعلاقات إلى هذا التوتر الخطير.

وشدد المحلل على أن أحد العوامل الأساسية التي أثرت على هذا التصعيد هو الاختلاف في التصور بين الجزائر ومالي حول الإرهاب.

حيث يستمر انقلابيو باماكو في تصنيف الأزواديين كإرهابيين، بينما الجزائر تعتبر أن هذا التصنيف يتجاهل تعقيدات الوضع في المنطقة.

ويضيف المحلل أن هذا التصعيد يعود أيضًا إلى تناقض المقاربات بين البلدين في التعامل مع قضايا الأمن.

الجزائر ترفض التدخل الأجنبي وتدعو إلى حلول سلمية، بينما تواصل حكومة باماكو اعتمادها على القوة العسكرية والمرتزقة لمواجهة التحديات الأمنية.

ويختم المحلل بأن حكومة باماكو لا تتوقف عن استخدام المصطلحات العدائية ضد الجزائر، وهي نفس المصطلحات التي اعتاد المخزن ووكلاؤه استخدامها، مما يزيد من تعقيد الوضع ويجعل آفاق الحلول السلمية بعيدة.