أعادت ندوة وطنية خُصصت لمشروعي التعديل التقني للدستور والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات فتح النقاش حول تحيين النصوص القانونية، في سياق مؤسساتي يهدف إلى سدّ الفراغات الدستورية وتنظيم الممارسة السياسية.

ونُظمت أمس السبت ندوة وطنية حول مشروعي التعديل التقني للدستور والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، تحت إشراف الوزير الأول سيفي غريب، وبحضور مدير ديوان رئاسة الجمهورية بوعلام بوعلام وعدد من أعضاء الحكومة.

وشهدت الندوة مشاركة رؤساء أحزاب سياسية، إلى جانب رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، ما منحها طابعًا تمثيليًا واسعًا يعكس أهمية المواضيع المطروحة للنقاش.

وقدم مدير ديوان رئاسة الجمهورية عرضًا تضمن عشرة اقتراحات تقنية تهدف إلى تحديث الدستور الجزائري، ركزت أساسًا على معالجة بعض الثغرات التنظيمية التي أفرزتها الممارسة الدستورية.

مراجعة فرضتها الفراغات

يؤكد الخبير الدستوري موسى بودهان، في تصريح خصّ به منصة” أوراس”، أن التعديل التقني للدستور جاء استجابة لفراغات دستورية وقانونية فرضت نفسها مع مرور الوقت.

ويعتبر أن مراجعة الدستور والقانون العضوي المنظم للانتخابات لم تعد خيارًا بل ضرورة، من أجل تحقيق الوضوح القانوني وضمان انسجام النصوص مع الواقع المؤسساتي.

شرط الترشح لرئاسة الجمهورية: خطوة تنظيمية

شملت الاقتراحات التي قدمها بوعلام بوعلام، ضرورة إدراج شرط إثبات مستوى تعليمي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية.

ويثمّن الخبير مقترح اشتراط إثبات مستوى تعليمي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، معتبرًا أنه يعالج غيابًا واضحًا في الدستور وقانون الانتخابات الحالي.

ويشير إلى أنه لا يوجد، لا في الدستور ولا في القانون العضوي للانتخابات، أي نص صريح ينظم مسألة المستوى التعليمي للراغبين في الترشح لهذا المنصب.

ويرى بودهان أن هذا الغياب شكّل فراغًا دستوريًا وقانونيًا استوجب التدخل، بالنظر إلى حساسية المنصب وطبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق رئيس الجمهورية.

ويؤكد أن منصب رئيس الجمهورية منصب سامٍ يتعلق بقيادة دولة بحجم الجزائر، ما يستوجب توفر مستوى معرفي محترم يؤهل صاحبه لتسيير الشؤون العامة.

ويضيف أن رئيس الجمهورية مطالب بأن يكون وفيًا لتضحيات الشهداء، وحريصًا على صون البلاد واحترام إرادة الشعب ومؤسسات الجمهورية وقوانينها.

الالتزامات الدستورية للرئيس

يلتزم رئيس الجمهورية، بالحفاظ على المال العام والممتلكات العمومية، وصيانة وحدة التراب الوطني ووحدة الشعب والأمة، وحماية الحقوق والحريات الأساسية.

ويستحضر الخبير في هذا السياق مضمون المادة 90 من الدستور المتعلقة بأداء اليمين الدستورية، والتي تحدد الالتزامات السياسية والأخلاقية لرئيس الجمهورية.

ويؤكد أن هذه الالتزامات تفرض بالضرورة ضبط شروط دقيقة للترشح لهذا المنصب، بما ينسجم مع طبيعة المسؤوليات الدستورية الثقيلة.

ويشير بودهان إلى أن الترشح لمنصب رئيس الجمهورية يعني مباشرة جملة من المهام والصلاحيات في الداخل والخارج وفي مختلف المجالات.

وتشمل هذه الصلاحيات المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية، إلى جانب الإشراف على شؤون الدولة السيادية والعلاقات الخارجية.

صلاحيات وتعيينات سيادية

يبرز موسى بودهان، أن رئيس الجمهورية يعيّن في الوظائف السامية المدنية والعسكرية، بما في ذلك التعيينات التي تتم في مجلس الوزراء.

كما يشمل ذلك تعيين الرئيس الأول للمحكمة العليا، ورئيس مجلس الدولة، ومحافظ بنك الجزائر، وكبار القضاة والمسؤولين الأمنيين.

ويضيف أن رئيس الجمهورية يعيّن الولاة وأعضاء سلطات الضبط، إلى جانب تعيين سفراء الجمهورية والمبعوثين فوق العادة إلى الخارج.

كما يتولى تسلّم أوراق اعتماد الممثلين الدبلوماسيين الأجانب، وإنهاء مهامهم، فضلًا عن مهام تشريفية وسيادية أخرى.

ويعتبر الخبير أن مراجعة الدستور والقانون العضوي للانتخابات كانت أمرًا لازمًا بخصوص مسألة إثبات المستوى التعليمي للترشح.

اليمين الدستورية وسدّ الفراغ

من بين المقترحات التي طرحها مدير ديوان رئاسة الجمهورية، تحديد إجراءات واضحة لأداء اليمين الدستورية، بما في ذلك تحديد الهيئة التي يتم أمامها أداء اليمين والجهة التي تتلوها.

في هذا الصدد، يرى موسى بودهان، أن هذا التوجه ينسجم مع حجم الصلاحيات والمسؤوليات التي يباشرها رئيس الجمهورية فور توليه المنصب.

وبخصوص اقتراح ضبط مراسم أداء اليمين الدستورية، يشير بودهان إلى وجود فراغ دستوري وقانوني في هذا الجانب.

ويعتبر الخبير الدستوري ذاته، أن اعتماد رئيس المحكمة العليا في هذا الإجراء ظل تقليدًا غير منصوص عليه صراحة.

ويرى أن دسترة هذا المسار من شأنها نقل الممارسة من العرف إلى الإطار القانوني الواضح.

ويؤكد أن رئيس الجمهورية يؤدي اليمين أمام الرئيس الأول للمحكمة العليا، الذي يحمل المصحف الشريف أثناء أداء اليمين.

ويثمّن الخبير المقترح الرامي إلى تحديد الجهة التي تؤدى أمامها اليمين وصيغتها والبروتوكولات الخاصة بها.

صلاحيات القضاء والانتخابات المحلية

شملت المقترحات أيضا، حذف شرط استصدار الرأي المطابق من المجلس الأعلى للقضاء في التعيين في المناصب النوعية أو في الحركة السنوية لرؤساء المجالس القضائية ورؤساء محافظي الدولة، باعتبار أن رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء.

ويعتبر بودهان، أن هذا التعديل التقني يهدف إلى إضفاء الشرعية الدستورية والقانونية الكاملة على هذا الإجراء السيادي.

ويؤكد أن الاكتفاء بالأعراف لم يعد كافيًا، وأن التقنين والدسترة أصبحا ضروريين لتفادي أي تأويل مستقبلي.

ويتوقف بودهان عند اقتراح تمكين رئيس الجمهورية من الدعوة إلى تنظيم انتخابات محلية مسبقة عند الاقتضاء.

وهو مادعمه البرلماني زوهير ناصري الذي يرى أن التعديل الدستوري المرتقب ليس إعلانًا عن انتخابات محلية مسبقة، بل إضافة صلاحية دستورية لرئيس الجمهورية لتأطير القوانين وسد فراغ قانوني قائم، مشددًا على ضرورة تمييز التصحيح الدستوري عن وضع رزنامة انتخابية جديدة.

ويرى بودهان، أن هذا المقترح منطقي بحكم أن رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء بموجب الدستور.

توحيد العهدة لرؤساء البرلمان

بخصوص اقتراح تحديد مدة عهدة رئيس مجلس الأمة بست سنوات بدلًا من ثلاث، أشار موسى بودهان، إلى أن  ذلك يهدف إلى تعزيز استمرارية الخبرة وتفادي القطيعة الناتجة عن التجديد النصفي لتشكيلة المجلس.

ويشير الخبير إلى أنه عند تجديد تشكيلة مجلس الأمة بالنصف كل ثلاث سنوات، يصبح من الضروري تجديد عهدة الرئيس بنفس المدة، ما يخلق تعقيدًا تنظيميًا يجب معالجته لتجنب أي مشاكل إدارية أو تشريعية.

ويرى أنه يوجد عدم انسجام بين عهدتي رؤساء غرفتي البرلمان، بغض النظر عن مراعاة الفوارق التي لا ينبغي أن تؤخذ بعين المقارنة المطلقة، لكنه يدعو إلى توحيد مدة العهدتين لضمان الانسجام الوظيفي.

ويؤكد الخبير أن توحيد العهدتين، بحيث تكون خمس سنوات لرئيس المجلس الشعبي الوطني وست سنوات لرئيس مجلس الأمة، يحافظ على الخبرة وتواصلها، ويجنب القطيعة الناتجة عن التغيير النصفي أو التجديد الجزئي لتشكيلة مجلس الأمة.

وأشار المتحدث ذاته إلى أهمية تحسين الإطار التنظيمي لاجتماع الدورة البرلمانية العادية، وضمان مرونتها في الافتتاح بشهر سبتمبر والانتهاء بعد عشرة أشهر، لتفادي أي اختلافات أو تفسيرات متباينة في بداية الدورة.

ورأى أنه من الضروري تعديل القانون العضوي رقم 16-12 ليواكب التعديلات التقنية الدستورية، مع التركيز على المادة 138 لضمان مرونة أكبر وتنظيم أفضل للدورة، بما يعزز انسجام العمل بين البرلمان والحكومة ويضمن فعالية الأداء البرلماني.