عاد ملف الجزائريين المنفيين إلى كاليدونيا الجديدة إلى الواجهة مجددًا، بعد أن أعاد اليوتوبر الجزائري مهدي شطاح تسليط الضوء عليه من خلال فيديو مطوّل نشره قبل أيام.

ورغم أن القضية طُرحت إعلاميًا في مناسبات سابقة، إلا أن العمل الذي تجاوزت مدته ساعة كاملة قدّم مقاربة إنسانية مؤثرة، أبرزت معاناة أحفاد المنفيين وتمسّكهم بوطنهم الأم، وأعاد فتح النقاش حول واحدة من أكثر صفحات الذاكرة الوطنية إيلامًا.

القضية على طاولة وزير الخارجية

كان النائب بالمجلس الشعبي الوطني، عبد الوهاب يعقوبي، قد وجه بتاريخ 07 مارس الفارط، سؤالا برلمانيا لوزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، حول هذا الملف.

وأبرز عبد الوهاب يعقوبي، في نص سؤاله، أن قضية التهجير القسري للجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة في المحيط الهادئ، من بين

القضايا المؤلمة التي بقيت خارج دائرة الاعتراف والمعالجة الرسمية، مشيرا إلى أنه تمثل جزءًا من السياسات العقابية الممنهجة التي مارستها الإدارة الاستعمارية الفرنسية ضد المقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر.

ولفت يعقوبي، إلى أن الإحصائيات غير الرسمية تشير إلى أرقام أكبر بكثير من الأرقام الرسمية للأفراد الذين هُجّروا

خلال أطوار الاحتلال المختلفة.

وأشار المتحدث، إلى أنه وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن، لا يزال هذا الملف خارج دائرة المعالجة الرسمية الكافية، بينما يعيش اليوم أكثر من 15 ألف نسمة من أحفاد أولئك المنفيين في كاليدونيا دون تمثيل قنصلي قريب، ودون برامج رسمية تكرس الاعتراف بحالتهم ضمن الذاكرة الوطنية.

وشدّد النائب على أنّ فتح هذا الملف ليس واجباً تاريخياً وإنسانياً فحسب، بل هو استحقاق يفرض نفسه وفاءً للضحايا وأسرهم، وربطاً للأجيال الصاعدة بتاريخ المقاومة الوطنية بكل تفاصيله.

ووجه يعقوبي، جملة من الأسئلة للوزير، جاءت كالتالي:

  • هل لدى وزارتكم رؤية وإطار زمني لفتح ملف التهجير القسري للجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة ومعالجته رسميًا على مستوى الدولة؟
  • ما هي الأسباب الكامنة وراء غياب تمثيل قنصلي في كاليدونيا لضمان متابعة أوضاع ذرية الجزائريين هناك، وما خطتكم لتدارك ذلك؟
  • ما هي المعطيات المتوفرة لدى الوزارة حول وضع أحفاد المنفيين في كاليدونيا حاليًا؟ وكيف يتم العمل على حفظ صلتهم بالوطن وتعريف الجيل الجديد بتاريخهم؟

عطاف يردّ

ردّ وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، بتاريخ 12 أفريل على سؤال النائب، مشدّدا على أن الدولة تولي عناية بالغة بملف الذاكرة الوطنية بمختلف أبعادها وصونها لدى مختلف فئات المجتمع الجزائري، بما في ذلك لدى الجالية المقيمة بالمهجر، التي تعتبر مكوناً رئيسياً من مكونات الأمة.

وأشار عطاف، إلى أن  ملف أحفاد الجزائريين المهجرين قسراً من طرف الاحتلال الفرنسي إلى كاليدونيا الجديدة وغيرها من أصقاع العالم، يحظى بمكانة خاصة لدى السلطات العمومية لما يحمله من أبعاد تاريخية وإنسانية عميقة في وجدان الأمة الجزائرية، وفاءً للتضحيات الجسام التي قدمها الأجداد.

 كما يندرج هذا الموضوع، وفقا للوزير، ضمن الجهود المتواصلة التي تبذلها الدولة لتعزيز روابط انتماء أبنائها في الخارج لوطنهم الأم وترسيخ قيم الذاكرة المشتركة، لاسيما لدى الأجيال الناشئة.

ونوه رئيس الدبلوماسية الجزائرية، بأن السلطات العليا للبلاد تعتمد رؤية شاملة تقوم على مقاربة تاريخية وإنسانية ومؤسساتية لمعالجة هذا الملف، بما يضمن التكفل الأمثل بهذا الإرث التاريخي والعمل على تسليط الضوء على كافة أبعاده، تعزيزاً للهوية الوطنية وصوناً للذاكرة الجماعية.

وفي هذا السياق، لفت المتحدث إلى أن الرئيس عبد المجيد تبون دشّن جدارية فنية تذكارية تخليداً لذكرى الجزائريين المهجرين قسرا إلى كاليدونيا الجديدة، بالواجهة البحرية للجزائر العاصمة بتاريخ 05 جويلية 2021،

فيما أبرز عطاف أن الجهود متواصلة، من أجل تعزيز الروابط مع أحفاد الجزائريين المنفيين قسراً، من خلال الحرص على إشراكهم في الأنشطة المرتبطة بالذاكرة الوطنية، لاسيما عبر استقبال وفود من أبناء الجالية خلال المناسبات الوطنية، مشيرا إلى مشاركة وفد عن جمعية أحفاد الجزائريين المقيمين بكاليدونيا الجديدة في الاحتفالات الوطنية المخلدة للذكرى الثمانين لليوم الوطني للذاكرة المصادف للثامن ماي من السنة الماضية.

وأفاد بأنه يتم توجيه دعوات لممثلين عنهم للمشاركة في مختلف الفعاليات الهامة التي تحتضنها الجزائر، على غرار معرض التجارة البينية الإفريقية المنعقد بالجزائر في سبتمبر 2025.

وبخصوص تمكين الجالية المقيمة بكاليدونيا الجديدة من الخدمات القنصلية، كشف الوزير، إقرار مجموعة من التسهيلات لفائدتهم على غرار تمكينهم من الاستفادة من هذه الخدمات على مستوى السفارة الجزائرية بأستراليا قصد تجنيبهم عناء التنقل إلى القنصلية العامة بباريس باعتبارها مركز تسجيلهم القنصلي.

وأكد أن الوتيرة المتسارعة التي تشهدها حالياً عصرنة الخدمات القنصلية في إطار الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، ستسمح لهذه الفئة من أبناء الجالية من الاستفادة من مختلف الخدمات والتسهيلات عن بُعد.

تعليق النائب

يرى النائب عبد الوهاب يعقوبي، أن هذا الملف لا يحتاج مجرد تذكير أو فعاليات رمزية، بل يحتاج قرارًا شجاعًا وإرادة سياسية حقيقية.

وشدد النائب على أن الذاكرة ليست مجرد ماض، وأن الأمر لا يتعلق بمهاجرين بل بمننفيين.