لا يختلف كثيرون حول العبارة الشهيرة: “خسارة عليك.. بيناتنا الملح”، وكأن القائل يخاطب صديقه قائلا: ” ألا تثق بي؟.. لقد أكلنا الخبز نفسه معا “.
هذه الجملة التي تتناقلها الألسنة وكأنها صك ضمان بين الأصدقاء، وتعبير عن ميثاق عهد غير مكتوب بين شخصين، من دون تدوينه بالشهود لكنه يبقى حاضرا في الذاكرة ووسيلة للإبقاء على متانة العلاقة.
الملح لغة الثقة
من هنا اكتسب الملح رمزية أعمق مما يبدو لنا جميعا، ففي الواقع يبقى الأغلى من حيث وقع هذه الكلمات، رغم كونه مادة بسيطة من حيث القيمة المادية (لا يتجاوز الـ 65 دينار)، إلا أن أثره الرمزي ظل مقترنا به منذ زمن طويل، بفضل بياضه اللامع وقدرته على التمييز عن السكر، رغم اختلاف المذاق والدلالات.
تجاوز هذا المكون الغذائي حدود الاستعمالات اليومية، إذ لا يتوقف أمر “الملح بيناتنا”، إلى رمز لسنوات العِشرة والمودة أيضا، مثلما يقول الباحث الأكاديمي مهدي براشد، موضحا أن الملح هو العنصر الأرخص سعرا بالمقارنة مع بعض المواد الأساسية وتقديرات السوق، لكنه في الآن نفسه يمنح الطعام نكهته، مثلما يذيب الكثير من الحواجز التي قد تظهر في الأحاديث ويزيد متانة العلاقات اليومية بين الأفراد.
العهد في محطة وقود
في مشهد لافت لوقع تلك الرمزية التي يخلدها الملح في العلاقات الإنسانية، في محطة الخدمات وتعبئة الوقود “ميلاف” التي تعد نقطة التقاء بين ميلة وسطيف وقسنطينة، كان رجل يملأ خزان سيارته، المرقمة برقم ولاية في أقصى الجنوب، التفت قائلا: “ها أنا ألتقي بك مجددا.. بيناتنا الملح”.
بدا هذا الرجل وكأنه يسترجع لحظة افتقدها طويلا، وهو يحدق في المكان بتأمل، وكأن هذه العبارة لا تحتاج إلى توقيع أو شهود، بل يكفي أن يكون قد تقاسم مع الآخر لقمة واحدة، حتى يصبح بينهما ما يشبه العهد غير المدون أو الموثق.
دفع هذا الرجل القادم من الصحراء ثمن تعبئة الوقود والثمن أيضا عن شخص آخر وانصرف، إنه الملح الذي أرجعه إلى ذكرى معينة.
ذاكرة الملح
في بعض المواقف؛ يكفي أن تأكل مع شخص من الصحن نفسه، حتى يصبح بينكما ما يشبه بالعهد، ويبقى موصولا بمدى تذكره له، على حد تعبير البعض بالقول: “ربي يذكره بخير.. وربما القصد هنا الملح بينه وبين ذلك الشخص”.
الأمهات والآباء والأجداد تركوا أشياء بسيطة، وهو ما تقول عنه السيدة حدة (82 عاما): “الحياة لا تُبنى فقط بالمال والجاه بل أيضا بما يربط الناس ببعضهم البعض”، وهي ربما تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة ويمكن إغفالها بفترة من الزمن، ولكن لماذا نتذكر الجيران القدامى أو كما نسميهم جيران الساس أي أساس البيت ولا ننساهم… ببساطة يربطنا بهم الملح والطعام.
من خلال هذه العبارات؛ فإن الملح يُقتسم في شكل خبز وطعام على المائدة الواحدة، يهدف إلى إشباع البطن، كما يسهم في تخفيف الخوف بين الإنسان والآخر، ويصبح علامة لضمان الثقة والوفاء.
دائرة الأمان
وكما تحول الملح الذي يحفظ للطعام نكهته، يمنح تقاسم الملح والخبز العلاقات بين الجيران قوة، ورمز لحفظ العلاقات الإنسانية نفسها.
تاريخيا؛ يمكن تفسير مشاركة الطعام نفسه بأنها فرصة لمنح مساحة ينخفض فيها التوتر بين الأشخاص وبناء الثقة، ولهذا فإن معظم الثقافات أحاطت الطعام بتقاليد أخلاقية منها تقديس الخبز واعتبار إطعام الآخر فعلا إنسانيا راقيا منها آداب الضيافة.
لماذا الملح تحديدا؟
من الغرابة أن يرتبط الملح بالأمان والثقة والوفاء، ويتحول إلى رمز ثقافي عميق، رغم أنه تاريخيا كان من أثمن المواد الأساسية في حياة البشر.
مع تتبع هذا التحول على مدار عقود طويلة؛ بدأت وظيفة الملح كأداة أساسية لحفظ الطعام، إذ يساهم في تخزين الأغذية وحمايتها خلال فترات طويلة، لذا ارتفعت قيمته الاقتصادية منذ آلاف السنين.
لكن المثير في هذا العنصر الحيوي أنه يذوب داخل الطعام ويغيّره كليا، إذ نتذوقه دون أن نراه، وفي المقابل فإن غيابه يفسد الأكل أيضا.
مفعول الملح السحري
انطلاقا من هذا البعد الرمزي؛ ما يزال البعض يؤمنون بأن العيش المشترك من دون رابطة أساسها “الملح”، فيقولون: “نعم.. إنه الملح بيننا لقد أكلنا الملح والخبز معا”.
وفي هذا السياق يصف الكاتب فوزي سعد الله في إحدى تدخلاته؛ التحولات التي شهدها المجتمع الجزائري في علاقة بالخبز، وعودته إلى مكان ترعرع فيه بالقصبة العتيقة، قائلا: “الملح والرغيف في القصبة”.
وبالانتقال من هذه التجربة إلى الثقافة العامة، وبعيدا عن نكهته؛ يربط سعد الله المهتم بتاريخ الجزائر العاصمة؛ الخبز دوما بثقافة شعبية تعوّد عليها، إذ يجسد الخبز والملح شكلا من أشكال الالتزام الأخلاقي غير المكتوب بين الناس.
ويعود هذا التصور إلى أن القرب الإنساني في الحياة اليومية ينتِج تلقائيا نوعا من المحبة، كما يقوي العلاقات، بل مفعوله مثل السحر الذي يؤدي إلى تشكيل التضامن الاجتماعي غير المعلن.
وبذلك يصبح الجيران الذين يتشاركون الخبز فيما بينهم؛ شركاء في تفاصيل الحياة، كما يتحول الضيف الذي يأكل في البيت إلى جزء يطلق عليه” المساحة المحمية معنويا”.
لذلك ارتبطت الخيانة بفكرة هتك الميثاق الرمزي، أي خرق العهد الذي أسسه “الملح والخبز”، حيث تتجاوز الخيانة الفعل المادي، إلى إساءة لذلك الرابط غير المرئي.
بورصة الملح تنهار
مع مرور الزمن، بدأت بعض القيم الأخلاقية في التراجع التي أسسها العيش المشترك رغم صلابتها البارزة.
وهنا يطرح السؤال: كيف انهارت هذه الرموز رغم استمرار الحياة اليومية المشتركة؟
فقد يعيش الناس سنوات طويلة معا في الوظيفة نفسها، أو المكان الواحد أو الحي ذاته، وقد يتبادلون الطعام، بل يتجاوزون مجرد “الملح والسكر”، ومع ذلك تنشأ بينهم المشاحنات وتتفجر النزاعات، تحت الضغوطات أبرزها الخوف الجماعي.
وتفسر الباحثة في علم النفس خولة ضريان ذلك بالقول إنّ القلق والتهديد اليومي في المجتمعات الحديثة المادية، يدفع الناس إلى افتراض انعدام الأمن في حضور الآخر.
وتضيف: “الخوف ينشأ مما يقوله الناس عن شخص ما، لكن الرموز الأخلاقية نفسها تضعف وتضمحل، ويظهر التشكيك فيها، مثل التساؤل: “هل فعلا العيش والملح يمنع الغدر؟”، ليتحول الأمر من حالة ثقة إلى حالة حذر عام ومن الجميع”.
كما تشير إلى أنّ هذه الرموز لاتزال حاضرة جزئيا في المجتمع، لكنها لم تعد تعمل بالقوة العاطفية نفسها، بل أصبحت تتأثر بالمصالح والتغيرات التي حدثت في شكل العلاقات.
وفي نهاية الأمر يمكن للرمز أن يصون العلاقات، لكنه لا يمنع انهيارها بمفرده إذا تغيرت الظروف التي كانت تُغذيه.








لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين