قد تبدو الرياضة عموما وكرة القدم خصوصا مجالا تنافسيا وترفيهيا بعيدا كل البعد عن السياسة، لكن التداخل بين المجالين كبير جدا؛ بل وقد يتجاوز في أحيان كثيرة تداخل مجالات أقرب مثل الاقتصاد وغيره، وهو ما تُظهِره الأحداث العالمية الكبرى كل مرة مؤخرا، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وقربِ المعلومة من المتلقِي أكثر.
وبالإضافة إلى الحرب الروسية على أوكرانيا، فإن العدوان “الإسرائيلي” المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية على قطاع غزّة في فلسطين؛ المتواصل منذ 7 أكتوبر 2023، يعدّ المثال الأبرز حاليا لهذا التداخل، كما يعدّ أيضا المثال الأبرز لازدواجية المعايير والأحكام من أهل الرياضة عالميا، وما موقف المدرب الألماني لنادي برشلونة الإسباني هانسي فليك، من احتفالية نجم الفريق لامين يامال برفع علم فلسطين خلال مشاركة لاعبي “البلاوغرانا” جماهيرهم فرحة التتويج بالـ”ليغا” 29 عبر شوارع مدينة برشلونة سوى مثال عن ذلك.
يامال يُشعِل العالم
أبى نجم نادي برشلونة الإسباني، الجناح الشاب لامين يامال، إلا أن يضع بصمة خاصة خلال احتفالات فريقه بالتتويج بلقب الدوري الإسباني، بعد ظهوره رافعا العلم الفلسطيني، خلال موكب الاحتفال الذي جاب شوارع مدينة برشلونة على متن حافلة مكشوفة، وسط حضور جماهيري ضخم قُدّر بنحو 750 ألف مشجع خرجوا ليشاركوا اللاعبين الاحتفال باللقب الـ29 للنادي الكاتالوني.
وظهر نجم الجيل “كما يسميه متابعو كرة القدم حاليا”، ممسكا بالعلم الفلسطيني أمام مئات الآلاف من الجماهير في ساحة “كاتالونيا”، بالإضافة إلى نشره صورا له وهو يحمل العلم عبر حسابه على منصة “إنستغرام”.
وأشاد رواد منصات التواصل الاجتماعي في العالم بموقف لامين، حيث اعتبروا “أن ما قام به موقف عظيم وهو شيء يحسب له، كما أن مبادرته تؤكد أن الرياضة ليست مجرد أهداف وانتصارات، بل هي رسالة وصوت لمن لا صوت له”.
Lamine Yamal waved a Palestinian flag during Barcelona's open-top victory parade to celebrate winning LaLiga. pic.twitter.com/lt7p4t6tzT
— Reuters (@Reuters) May 12, 2026
ما موقف فليك من احتفالية لاعبه؟
على عكس المدرب الإسباني بيب غوارديولا، الذي قال عن موقف يمال “إنه لاعب كرة القدم قدوة للملايين، ورأيه مؤثر، ومن ثم عليه التعبير عن هذا الرأي”، فإن المدرب الألماني هانسي فليك لام لاعبه خلال المؤتمر الصحفي الذي سبق مواجهة برشلونة بألافيس.
وقال فليك محملا يمال مسؤولية فعلته وحده: “رفعُ لامين لعلم فلسطين؟ هذه أمور لا أحبها عادةً، تحدثت معه بشأن ما فعله وأخبرته أن القرار قراره في الأخير، فهو قد أصبح بالغًا”.
وأضاف المدرب الألماني لنادي برشلونة متبرئا من المواقف السياسية: “نحن نكرّس أنفسنا للعب كرة القدم، وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما يتوقعه الناس منا. عندما ترى الناس في الشوارع يبكون من شدة الفرح تدرك لماذا نحن هنا، وبالنسبة لي هذا هو الأهم، وهو الأولوية القصوى”.
أين قطر من قناعاته؟
ما يعاب على موقف المدرب الألماني الحالي ازدواجية معاييره وتناقض تصريحاته، لأنه قاد سابقا حملة عالمية كبيرة وشرسة ضد استضافة دولة قطر بطولة كأس العالم 2022.
وقال فليك في مقابلة مع الصحافة الألمانية قبل البطولة العالمية حينها: “هل كان من الصواب منح قطر كأس العالم؟ كان يجب الإجابة على هذا السؤال منذ زمن طويل.. والجواب لا!”.
وأضاف: “الحقيقة أنه في قطر، عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان والاستدامة، هناك الكثير من الأمور غير صحيحة، وهذا واضح”.
وتابع: “حقوق الإنسان يجب أن تكون أولوية كبرى عند منح استضافة البطولات”، مشيرا بوضوح تام إلى موقفه من الأقليات في قطر، خاصة المثليين.
ولم يكتف فليك بالتصريحات فقط، بل وقبل مباراة ألمانيا ضد اليابان في دور المجموعات بالمونديال، قام اللاعبون الألمان بحركة احتجاجية صريحة ومباشرة حين غطوا أفواههم بأيديهم في الصورة الرسمية للفريق قبل المباراة احتجاجا على الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”.
فليك مثال من كثير الأمثلة
لم تمر أربع سنوات فقط بين تصريحات المدرب الألماني الأولى والثانية، فما الذي تغيّر بين أمس واليوم؟
والإجابة بطبيعة الحال لن تجدها إلا عند فليك ومن على شاكلته من أصحاب المعايير المزدوّجة والأحكام المتناقضة.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين