تواصُلًا لسلسلة التغييرات الأمريكية الجذرية في النظرة العامة للكيان الصهيوني منذ بداية العدوان الأخير على غزّة، وامتدادا للهجمات الحالية على إيران، فاجأ عشرات النواب الديمقراطيين الأمريكيين بتفجير جدل واسع بشأن البرنامج النووي “الإسرائيلي”.

وكشفت صحيفة “واشنطن بوست” دعوة النواب الديمقراطيين داخل “الكونغرس” عبر رسالة، الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بامتلاك “إسرائيل” أسلحة نووية بشكل علني، مما يعني إخضاع الكيان الصهيوني للمعايير نفسها التي تُطبّق على دول أخرى في المنطقة.

وتوضّح رسالة النواب -حسب الصحيفة ذاتها-، أن الاحتلال الإسرائيلي يُخفي امتلاكه برنامجاً نووياً، رغم تطويره سراً منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، كما أنها لا تمتلك عقيدة معلنة بشأن استخدام هذا النوع من الأسلحة.

تجرّنا رسالة الثلاثين مشرّعا ديمقراطيا في مجلس النواب الأمريكي عبر “الكونغرس” إلى تساؤلين جوهريين؛ كيف امتلكت “إسرائيل” هذا السلاح الفتّاك؟ وكيف استطاعت الحصول على حق “إخفاء سرّها المكشوف” دون غيرها؟

المدينة الحُلم بالنسبة لـ”إسرائيل”

منذ 78 سنة، شهد النقب الفلسطيني تهجيرا واسعا للفلسطينيين بعد نكبة عام 1948 من طرف الكيان الصهيوني، لتوطين اليهود القادمين من دول عديدة عبر العالم وبناء مستوطنات جديدة على الحدود.

 وبعد النكبة بسبع سنوات تأسّست مدينة ديمونا رسميا ضمن ما عُرف حينها بـ”مدن التطوير”، لتستقبل المهاجرين اليهود داخل المخيمات، ولتصبح بعدها بسنوات أيضا مدينة متكاملة، بل وذات أهمية استراتيجية كبيرة للكيان لأنها وعلى عكس غيرها معزولة جغرافية مانِعة للمراقبة.

البداية

بدأ حلم الكيان الصهيوني في تجسيد فكرة إنشاء مفاعل نووي في خمسينيات القرن الـ20، حيث أنشأت هيئة الطاقة الذرية “الإسرائيلية” عام 1952.

وبعدها بخمس سنوات حصل الكيان على دعم وموافقة فرنسا التي زودتها بمفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل المضغوط، لكن تحت غطاء مفاعل لأغراض البحث العلمي فقط، ليدخل المفاعل مرحلة التشغيل رسميا عام 1963.

“السِرّ المكشوف”

بقي مشروع مفاعل ديمونا طي الغموض الرسمي حتى عام 1986، حين كشف الفني النووي “الإسرائيلي” مردخاي فعنونو معلومات وصورا سربها عن المنشأة التي عمل بها.

كما كُشِفت أيضا صور استخباراتية وحسابات دولية، أن المشروع أكبر من مجرد مركز أبحاث، وقادر على إنتاج المواد المستخدمة في تصنيع الأسلحة النووية.

ورغم مرور ستّة عقود وكشف سر الكيان الصهيوني الكبير، ما يزال قادته يرفضون الاعتراف الرسمي أو ينفون امتلاك أسلحة نووية، في إطار سياسة كيان الاحتلال المبنية على قاعدة “الغموض النووي”.

اتفاق “الصهيوأمريكي”

توصّل الكيان الصهيوني عام 1969 إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية في عز بحثها عن الملف النووي “الإسرائيلي” السري حينها، يمتنع بموجبه المسؤولون في الكيان عن الإدلاء بأي تصريح علني حول قدرة بلادهم النووية، ويتعهّدون بعدم القيام بأي تجربة نووية، في مقابل تعهّد واشنطن بعدم ممارسة ضغوط على تل أبيب في هذا الشأن.

وبعد مرور نصف قرن من الاتفاق، لم يقم أي مسؤول صهيوني بخرقه، وفي آخر تصريح حول الموضوع قال رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بينيامين نتنياهو: “لطالما قلنا إننا لن نكون أول من يقدّم النووي في الشرق الأوسط، لذلك نحن لسنا من قدمناه إلى المنطقة، هذه أفضل إجابة ستحصل عليها”.

تناقضات القوي

وللمفارقة فإن إيران، المُوقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي وتخضع منشآتها لتفتيش دائم من طرف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رغم الجدل بشأن مستوى تعاونها، تواجه تركيزا دوليا وعسكريا صارما لتفكيك بنيتها النووية، في حين تبقى المنشآت “الإسرائيلية” خارج أي منظومة رقابية دولية، وتنال مكافأة بصمت رسمي مطبق لحمايتها وهي الدولة النووية خارج المعاهدات الدولية.