تعيش الأمم اليوم مرحلة تاريخية جديدة لم تعد فيها الثّروات الطّبيعية أو الموقع الجغرافي وحدهما معيارًا للتقدّم والازدهار، بل أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى ابتكارات اقتصادية وصناعية هي المعيار الحقيقي لقوّة الدّول ومكانتها، وقد أثبتت التّجارب الدّولية المعاصرة أنّ الدّول التي استطاعت بناء منظومات فعّالة للابتكار، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا والصّين، هي الدّول التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية كبرى، رغم أنّ بعضها لم يكن يمتلك من الموارد الطّبيعية ما تمتلكه دول أخرى.
في هذا السّياق يبرز (علم اجتماع الابتكار) بوصفه أحد الحقول المعرفية الحديثة التي تدرس العلاقة بين المجتمع والابتكار، وتحاول الإجابة عن سؤال جوهري: لماذا تنجح بعض المجتمعات في إنتاج المعرفة والابتكار، بينما تتعثّر مجتمعات أخرى رغم امتلاكها للموارد والكفاءات؟
إنّ هذا العلم ينطلق من فكرة أساسية مفادها أنّ الابتكار ليس مجرّد عملية تقنية أو هندسية، وليس نتاجًا لعبقرية فردية معزولة، بل هو ظاهرة اجتماعية ومؤسّسية وثقافية، تتداخل فيها منظومات التّعليم والبحث العلمي والاقتصاد والسّياسة والثّقافة والقيم الاجتماعية؛ فالاختراع العلمي لا يتحوّل إلى قوّة اقتصادية إلّا عندما يجد بيئة اجتماعية ومؤسّسية قادرة على احتضانه وتطويره وتسويقه وتحويله إلى قيمة مضافة.
وتبدو أهمّية هذا المجال بالنّسبة للجزائر اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ فالبلاد تعيش مرحلة مفصلية تسعى خلالها إلى بناء اقتصاد متنوّع، وتقليص الاعتماد على المحروقات، والانتقال نحو اقتصاد المعرفة والابتكار، وقد أظهرت السّنوات الأخيرة إرادة واضحة لتعزيز البحث العلمي وتشجيع المؤسّسات النّاشئة ودعم المقاولاتية والابتكار التّكنولوجي، غير أنّ نجاح هذه التوجّهات يقتضي النّظر إلى الابتكار بمنظور أشمل من مجرّد زيادة الإنفاق على البحث العلمي أو إنشاء الهياكل الإدارية الجديدة.
إنّ أحد الدّروس الكبرى التي يقدّمها علم اجتماع الابتكار هو أنّ التّنمية لا تتحقّق بمجرّد بناء المختبرات أو تكوين الباحثين، بل تتطلب بناء (منظومة وطنية للابتكار) تقوم على شبكة من العلاقات التفاعلية بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسّسات الاقتصادية والدّولة والمجتمع، ففي الدّول المتقدّمة لا تعمل الجامعة بمعزل عن المصنع، ولا يعيش الباحث بعيدًا عن حاجات المجتمع، بل توجد جسور مؤسّسية تجعل المعرفة العلمية تتحوّل باستمرار إلى تطبيقات اقتصادية وصناعية.
ومن هذا المنطلق، تستطيع الجزائر أن تجعل من علم اجتماع الابتكار أداة استراتيجية لتوجيه سياساتها التنموية؛ فالبلاد تمتلك قاعدة جامعية واسعة، ورصيدًا بشريًا مهمًّا من الكفاءات، وشبابًا متعلّمًا وطموحًا، فضلًا عن إمكانات مالية وطبيعية معتبرة، غير أنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في توفّر هذه العناصر منفردة، وإنّما في كيفية الرّبط بينها ضمن رؤية متكاملة لإنتاج الابتكار.
ويبرز هنا دور البحث العلمي التّطبيقي الذي ينبغي أن يتوجّه بصورة أكبر نحو معالجة المشكلات الوطنية الفعلية، مثل الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، والزّراعة الصّحراوية، والطّاقات المتجدّدة، والصّناعات الصّيدلانية، والتحوّل الرّقمي، والذّكاء الاصطناعي، وتطوير الصّناعات التحويلية. فالمعرفة العلمية تكتسب قيمتها التنموية عندما تصبح قادرة على تقديم حلول عملية للتحدّيات الاقتصادية والاجتماعية.
كما يلفت علم اجتماع الابتكار الانتباه إلى أهمّية العامل الثّقافي في عملية التّنمية، فالمجتمعات التي تحقّق التقدّم هي تلك التي تنشر ثقافة المبادرة والإبداع والعمل الجماعي وتقبل المخاطرة والتّجريب، وتُعلي من قيمة العلم والبحث والمعرفة، ومن ثمّ فإنّ مشروع النّهضة الجزائرية لا يحتاج فقط إلى إصلاحات اقتصادية أو استثمارات مادية، بل يحتاج أيضًا إلى بناء ثقافة مجتمعية جديدة تجعل من الابتكار قيمة اجتماعية راسخة.
ومن القضايا التي يطرحها هذا الحقل العلمي كذلك مسألة هجرة الكفاءات، فالجزائر تمتلك آلاف الباحثين والخبراء داخل الوطن وخارجه، لكن الاستفادة من هذه الطاقات تظلّ مرتبطة بقدرة الدّولة على بناء بيئة مؤسّسية جاذبة، توفّر فرص البحث والإبداع، وتفتح المجال أمام المبادرة والتعاون بين الجامعة والقطاع الاقتصادي، إنّ العقول المبدعة لا تبحث فقط عن الأجور المرتفعة، وإنما تبحث كذلك عن مناخ يقدّر المعرفة ويمنحها فرص التّأثير والإنجاز.
إنّ النّهضة الاقتصادية والصّناعية التي تطمح إليها الجزائر تقتضي الانتقال من اقتصاد يعتمد أساسًا على استغلال الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يقوم على إنتاج المعرفة وتثمينها؛ وفي عالم اليوم، أصبحت الثّروة الحقيقية للدّول تتمثّل في قدرتها على الابتكار وإنتاج التكنولوجيا وتطوير الصّناعات ذات القيمة المضافة العالية، لذلك فإنّ الاستثمار في البحث العلمي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إنفاقًا استهلاكيًا، بل باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في المستقبل وفي بناء القوّة الوطنية الحيّة.
ومن هنا، يمكن القول إنّ علم اجتماع الابتكار يقدّم للجزائر إطارًا فكريًا وعمليًا بالغ الأهمية لفهم شروط النّهضة المعاصرة؛ فهو يبين أنّ التنمية ليست مجرّد تراكم للموارد، وإنّما هي بالأساس قدرة المجتمع على تنظيم المعرفة وتعبئة الطّاقات البشرية وبناء المؤسّسات المنتجة للابتكار.
إنّ الجزائر تمتلك اليوم فرصة تاريخية لصياغة نموذج تنموي جديد يقوم على العلم والابتكار والمعرفة. وإذا نجحت في بناء منظومة وطنية متكاملة تربط الجامعة بالاقتصاد، والبحث العلمي بالصّناعة، والإبداع بالسّياسات العمومية، فإنّها ستكون قادرة على تحويل إمكاناتها البشرية والطبيعية إلى قوّة اقتصادية وصناعية حقيقية.
إنّ المجد الذي تطمح إليه الأمم في القرن الحادي والعشرين لا يُصنع في باطن الأرض فقط، بل يُصنع أيضًا في الجامعات والمختبرات ومراكز البحث والشّركات النّاشئة وفضاءات الإبداع، ومن هنا فإنّ الرّهان الحقيقي للجزائر ليس مجرّد امتلاك الموارد، بل امتلاك القدرة على تحويل المعرفة إلى تنمية، والبحث العلمي إلى صناعة، والابتكار إلى مشروع حضاري متكامل يفتح آفاق نهضة جزائرية جديدة لابد أن تحدث.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين