بدأ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون زيارة دولة لألمانيا الفيديرالية تدوم يومين، بدعوة من نظيره الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، رئيس جمهورية ألمانيا الفيدرالية.

تأتي هذه الزيارة في سياق دولي جد حساس، والهدف المرجو هو تمتين دعائم شراكة استراتيجية بين الجمهورية الجزائرية وجمهورية ألمانيا الفيديرالية.

تحمل هذه الزيارة أكثر من معنى، بحكم أنه سيحظى الرئيس الجزائري بتشريفات عسكرية قبل لقائه بنظيره الألماني ببرلين.

رغم الطابع الاقتصادي بامتياز لهذه الزيارة رفيعة المستوى، أين يرافق الرئيس تبون 150 متعامل اقتصادي، إلا أن برنامج الزيارة لن يخلو من البعد السياسي، بحكم أن الجزائر تحظى باستقرار سياسي وأمني، في منطقة يشوبها انعدام الاستقرار، سواء على الجبهة الليبية أو في دول منطقة الساحل ينظر إليها على أساس أنها صمام أمان المنطقة في العديد من القضايا الإقليمية (مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة البشر والهجرة السرية نحو الشمال).

المصالح الاقتصادية والأمن الطاقوي 

إن الشراهة الطاقوية للاقتصاد الألماني (Energy-intensive Economy) حقيقة لدى العام والخاص، ولذلك فقد عانت ألمانيا من الحرب الأوكرانية الروسية كثيرا، بعدما انقطع عنها الغاز الروسي بدون سابق إنذار، وزاد الطين بلة بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي تدخل نفقا مظلما لا يمكن التكهن بالخروج منه إلا بعد حين، وما كان على ألمانيا إلا أن تعيد النظر في منظومة شراكاتها لضمان موارد الطاقة.

وبعد كل ما ذكرناه من أزمات دولية تعصف بالسلم العالمي وتربك الأسواق المالية وتعيق سلاسل التوريد، تظهر الجزائر كمتعامل بديل وموثوق به، وبعد أن تضررت العديد من منصات الإنتاج والتكرير في دول الخليج العربي، جاءت فرصة سانحة للجزائر لأن تتحول على المدى المتوسط إلى منصة طاقوية دولية (Energy Hub) تعوض العجز المسجل جراء الأعطاب التي لحقت بمعامل التكرير والإنتاج في دول الخليج العربي.

بالنسبة الغاز الطبيعي المسال: سلّمت الجزائر أول شحنة مباشرة من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا في أوائل جويلية 2026 (Wilhelmshaven Terminal) عبر سوناطراك.  وتسعى برلين إلى تنويع مصادر إمدادها بعد الانسحاب الروسي، وتعتبر الجزائر مورداً استراتيجياً، وتتركز المناقشات على زيادة الشحنات.

لقد قطع المشروع أشواطا معتبرة في تجسيده، بعد التوقيع على مذكرة تفاهم، في شهر جانفي 2025، بالعاصمة الإيطالية روما، بين كل من وزراء الطاقة لكل من إيطاليا، النمسا، ألمانيا، تونس والجزائر، بالإضافة إلى التوقيع على بروتوكول اتفاق لإنجاز دراسات الجدوى من طرف شركة سوناطراك الوطنية سنة 2024.

لا يقتصر الأمر على موارد الطاقة الأحفورية، ولكن فتحت الشراكة الألمانية الجزائرية صفحة جديدة لتوريد الطاقات المتجددة، عبر مشروع إنتاج وتوريد الهيدروجين الأخضر في إطار مشروع SoutH2 (نقل الهيدروجين من شمال إفريقيا إلى ألمانيا عبر تونس، إيطاليا والنمسا). وتهدف الجزائر إلى تطوير قدراتها في مجال الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية) لتصبح مُصدِّراً للهيدروجين.

الأهداف العامة من هذا المشروع هي الحفاظ على الأمن الطاقي الأوروبي وتنويع مصادره (تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري)، تطوير الطاقات المتجددة في الجزائر وتونس (فرص عمل، استثمارات، إنتاج المياه العذبة عبر التحليل الكهربائي) والمساهمة في خفض انبعاثات الكربون في الصناعة الأوروبية.

ثمة تحديات ميدانية وتقنية تواجه هذا المشروع الطموح والعملاق، خاصة فيما يتعلق بإشكالية التمويل وإشراك القطاع الخاص في المشروع ذاته، ولكن أمام التحديات الطاقوية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، ستجد أوروبا الإرادة السياسية والقدرة الكافيتين لتمويل هذا المشروع.

بالنسبة للاستثمار والتجارة، تنشط أكثر من 50 شركة ألمانية في الجزائر (في قطاعات الطاقة والآلات والأدوية والسيارات). تصدّر ألمانيا السلع الصناعية، بينما تسعى الجزائر إلى جذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الإنتاج المحلي. وبلغ حجم التبادل التجاري حوالي 3.5 مليارات يورو، مع زيادة في واردات الطاقة الألمانية، وبذلك تكون ألمانيا سادس ممون للجزائر، أمام الولايات المتحدة الأمريكية.

كواليس الديبلوماسية تتحرك

على المستوى الديبلوماسي، تهدف الجزائر من خلال التقارب الألماني إلى تنويع منظومة شراكاتها، خاصة أن ألمانيا تعد القلب الاقتصادي النابض للاتحاد الأوروبي، وقد يمكن ذلك لأن يكون للجزائر قدم صدق في مفاوضاتها مع هيئات الاتحاد الأوروبي.

يجب ألا نغفل عن حقيقة باتت واضحة للملاحظين والأوساط الديبلوماسية بأن ألمانيا تتجه نحو تغيرات جذرية في سياستها الخارجية وأمنها القومي. هناك أنباء عن عزم ألمانيا من مضاعفة قدراتها الدفاعية والعسكرية، بالإضافة إلى إعادة تموقعها على الساحة الدولية بعد تأكد التهديد الروسي والتخلي الأمريكي عن أدوارها الأمنية والدفاعية تجاه أوربا، ناهيك عن هشاشة الشراكة الثنائية الفرنسية الألمانية، الذي قد ينم عن صراع زعامة داخل البيت الأوروبي. 

سيستهل الطرفان خلال هذه الزيارة، توقيع أكثر من 30 اتفاقية في قطاعات رئيسية: قطاع الطاقة، والطاقات المتجددة، والانتقال الطاقوي، والصناعات الصيدلانية، والتصنيع، والتقنيات المتقدمة، سيتم أيضا تنظيم منتدى اقتصادي جزائري ألماني يضم رجال أعمال ومستثمرين من كلا البلدين.

مسار برلين والدور الجزائري

تُعدّ الجزائر لاعباً إقليمياً هاماً بصفتها جارة ليبيا المباشرة. وتشارك بنشاط في اجتماعات مسار برلين (لا سيما من خلال وزير خارجيتها أو ممثليها). وتدعو الجزائر إلى حل إفريقي وإقليمي، مكملا بذلك جهود الأمم المتحدة، وتؤكد على الوساطة ومكافحة الإرهاب واستقرار الحدود.

لقد انضمت الجزائر إلى مسار برلين، بحكم أن هذا المسار يؤكد على تحقيق وتجسيد العملية السياسية بدل الاقتتال الذي أدخل ليبيا الشقيقة في دوامة من الحرب الأهلية، وما فتئت الجزائر تدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية/المرتزقة، بالإضافة إلى احترام حظر الأسلحة، تكريس العملية سياسية بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، وتوحيد المؤسسات (البنك المركزي، الجيش، إلخ)، بالإضافة إلى تحقيق مصالحة وطنية واستقرار اقتصادي (النفط)، ودعم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل).

قد نتسائل عن مشروع أكبر تتوخاه السلطات الجزائرية من وراء كل هذه التحركات، والمتمثلة في معظمها تطبيع العلاقات مع الجارة الشقيقة جمهورية مالي ـ بالإضافة إلى الزيارات المتلاحقة لمسؤولين دوليين إلى الجزائر، والتي تؤكد مساعي حثيثة لترسيخ دور إقليمي تتضح معالمه بوما بعد يوم.