لم يكن هواري بومدين، وهو مُمدّد على فراش المرض في موسكو خريف عام 1978، يدوّن وصيته الأخيرة بقدر ما كان يكتب برنامج عمل لرئيس يعتقد أنه سيعود إلى بلاده ليواصل ما بدأه.
هذا، على الأقل، هو الانطباع القوي الذي تتركه الصفحات التي كشف عنها محيي الدين عميمور، مستشار الرئيس بومدين لسنوات، بعدما أتيح له في بداية عهد الرئيس الشاذلي بن جديد أن يَطّلع على كراسة قال له الشاذلي إن قاصدي مرباح سلّمها إليه باعتبارها مذكرات كتبها بومدين أثناء علاجه في الاتحاد السوفيتي.
عميمور، الذي عرف خط بومدين عن قرب بحكم سنوات عمله إلى جانبه في رئاسة الجمهورية، يقول إنه تأكد أن الخط هو خط الرئيس الراحل. بل إن بعض السطور، كما يروي، كانت تنحرف عن مسارها الأفقي الطبيعي، بما أوحى له بأن بومدين ربما كان يكتب أحيانا في ظروف غير مريحة، في الظلام أو تحت غطاء الفراش، بعيدا عن أعين طاقم التمريض.
وهنا تحديدًا تكتسب تلك الأوراق قيمتها الإنسانية والسياسية.
فالرجل الذي ذهب إلى موسكو في أكتوبر 1978، وبقي فيها نحو ستة أسابيع بحثا عن تشخيص وعلاج لمرض غامض أنهك جسده، لم تكن أفكارُه مسكونة بالموت بقدر ما كانت معلقة بالجزائر.
في إحدى الصفحات يكتب بومدين، وهو يستقبل ذكرى أول نوفمبر بعيدًا عن الوطن:
“الليلة نوفمبر عيد الثورة، كنت هناك ممدودا على فراش المرض منذ 35 يوما بعيدا عن الأرض وعن الأهل في مدينة موسكو…”
عبارة تختصر مأساة اللحظة كلها. رئيسٌ ارتبط اسمه بالثورة الجزائرية يجد نفسه، في ذكرى اندلاعها، على سرير يبعد آلاف الكيلومترات عن الجزائر، جسده في موسكو، لكن ذاكرته ووجدانه في الوطن، ومع ذلك، لا تستغرقه الشكوى طويلا.
فبعد أسطر عن المرض وحيرة الأطباء، ينتقل فجأة إلى الحديث عن “إقامة صناعة حربية على المدى المتوسط”، وعن التصنيع باعتباره “جزءا من الاستقلال الوطني”، وعن ضرورة رفع مستوى تكوين الكفاءات الجزائرية في المدارس السوفيتية.
رئيس على سرير المرض يفكر في الجيش
حتى في أكثر لحظاته هشاشة الجسدية، ظل بومدين يفكر في التفاصيل التي كان يراها جزءا من مسؤولية الدولة.
كتب عن الجنود الموجودين على الخطوط الأمامية وعن شباب الخدمة الوطنية، مطالبا بأن يعيشوا في “كنف الوفرة”، ولو اقتضى الأمر تحويل المواد والإمكانات من “وحدات الخلف” إليهم.
ثم أضاف عبارة تكشف أنه كان ينتظر العودة إلى الجزائر لمتابعة الأمر بنفسه ولم يكن مستسلما للمرض كا أُشيع، كتب بومدين هذه العبارة: “التأكد من ذلك عند رجوعي مباشرة”.
هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير ما أراد عميمور لفت الانتباه إليه، بومدين لم يكن يكتب كرجل استسلم لفكرة النهاية، بل كرئيس يؤجل القرارات إلى حين عودته.
كان يضع أسماء مسؤولين وقرارات وتعيينات وتحقيقات يجب فتحها، ويرسم سياسات يريد تنفيذها، ويحصي ملفات يعتبرها مستعجلة.
حتى عندما يكتب الأطباء السوفييت -كما تنقل الملاحظات- أن أي انتكاسة قد تكون قاتلة، يظل ذهنه مشغولًا بما ينبغي فعله في الجزائر.
“لو كانت لي المقدرة لحلقت بجناح واحد”
ولعل أكثر ما يكشف الحالة النفسية لبومدين في أيام موسكو تلك العبارة التي كتبها بعدما اشتد عليه الشوق إلى البلاد: “لو كانت لي المقدرة لحلقت بجناح واحد على كل أوروبا لأحط الرحال على أرض الوطن”.
هذه ليست جملة سياسية صيغت أمام جمهور، ولا عبارة في خطاب رسمي أُعدّت بعناية للتأثير في الجماهير، إنها، بحسب الرواية التي قدمها عميمور، كلمات كتبها رجل مريض لنفسه، وهنا تكمن قوتها وصِدقيتها.
فالسياسي في العلن يستطيع أن ينتقي عباراته، أما المريض الوحيد في غرفة بعيدة عن وطنه فليس أمامه سبب للاستعراض.
بومدين كان يريد الجزائر، يريد أرضها ورائحتها ومكاتبها وملفاتها وربما حتى مشكلاتها التي ظل يملأ بها صفحات كراسته في موسكو.
ومن أكثر العبارات إيلامًا في المذكرات قوله إن “توحشه للبلاد” ازداد بطريقة لا يتصورها أحد، لقد كان المرض يحاصره، لكن الغربة ربما كانت تؤلمه بالقدر نفسه.
الفساد كان يسكن هواجسه
الوجه الآخر المهم في هذه الأوراق هو حجم حضور ملف الفساد والثراء غير المبرر في ذهن بومدين.
ففي لحظة كان يمكن لرئيس مريض أن ينصرف فيها إلى التفكير في نفسه وعائلته ومصيره، نجد صفحات تتحدث عن التحقيق في ثروات مسؤولين، وعن ضرورة معرفة أجور الموظفين، وعن إلزام من تولوا الوظائف العامة بالتصريح بممتلكاتهم.
ويكتب بومدين فكرة شديدة الدلالة: “كل أجور الموظفين يجب أن تكون معروفة مبدئيا لدى الجميع”.
ثم يعود إلى الثروة التي تتكون بسبب الوظيفة، ويطالب بإجراءات تمتد منذ الاستقلال أو منذ تولي المسؤول منصبه. وفي مكان آخر يكتب بخط بارز، وفق نقل عميمور، كلمة: الرشوة. ويصفها بومدين بأنها من أكبر الأمراض التي تهدد الثورة.
كأن بومدين كان يرى في الفساد مرضا آخر ينهش جسد الدولة، في الوقت الذي كان المرض الحقيقي ينهش جسده هو.
هذه المفارقة تمنح المذكرات وزنًا استثنائيًا، رئيس مريض يفكر في مرض الدولة. رئيس يفقد قدرته على الوقوف، لكنه يفكر في كيفية منع مسؤول من استغلال منصبه. جسد يتداعى، بينما يستمر العقل في مراجعة أداء النظام الذي بناه.
“أقوالنا أصبحت لا تتطابق مع أفعالنا”
ومن الجمل القاسية التي صاغها بومدين في فراش المرض اعترافه بأن هناك فجوة بدأت تتسع بين الخطاب والممارسة، فكتب:
أقوالنا أصبحت لا تتطابق مع أفعالنا، ومن هنا بدأت الثقة تنقص تدريجيا في المسؤولين على جميع مستوياتهم.
إن صحت هذه العبارة في السياق الذي نقلها فيه عميمور، فهي ليست ملاحظة عابرة، بل نقد من رأس النظام للنظام نفسه.
بومدين الذي قضى سنوات في بناء دولة مركزية قوية، وصناعة قطاع عام واسع، وربط شرعية الحكم بالثورة والتنمية والعدالة الاجتماعية، كان يدرك في أشهره الأخيرة أن الخطاب وحده لم يعد كافيًا، كان يرى أن المواطن يقارن ما يسمعه بما يراه، وأن الثورة إذا تحولت إلى شعارات بلا أثر في سلوك المسؤولين، فإن الثقة تبدأ في التآكل.
لذلك، كان يريد العودة لإصلاح ذلك، وربما كانت تلك الأوراق بداية مراجعة أكبر لم تتح لها الحياة فرصة أن تتحول إلى قرارات.
بين السقوط من شدة المرض والتخطيط للغد
أما الجانب الإنساني الأكثر ألما، فيظهر عندما يروي بومدين سقوطه أثناء ذهابه لقضاء حاجته.
يكتب أنه سقط أرضًا، وحاول النهوض معتمدا على نفسه، فسقط مرة أخرى، ولم يستطع الوقوف إلا بمساعدة الممرضة.
ويضيف أن تلك كانت المرة الثالثة التي يسقط فيها وأن أعضاءه لم تعد قادرة على تحمل جسمه.
من الصعب قراءة مثل هذا الوصف ثم الانتقال بعد أسطر قليلة إلى قوائم قرارات حول التجارة والسفر والمسؤولين والتصريح بالثروات.
لكن هذا بالضبط ما يجعل تلك الصفحات استثنائية، في الغرفة نفسها كان هناك رجلان في جسد واحد: الأول مريض يضعف يوما بعد يوم، ويعطش حتى يتلعثم، ويسقط عندما يحاول المشي، والثاني رئيس لا يزال يصدر في ذهنه القرارات ويعيد ترتيب الملفات ويتابع الجيش وشركة سوناطراك التي أرد تعيين مسؤول لها، والزراعة والتجارة والفساد والأجور، والتعيينات.
الجزائر لم تغادر غرفته
في تلك الأوراق حديث عن الصناعة الحربية وعن الفلاحة وعن ضرورة ألا يبقى شبر من الأرض دون استغلال وعن توفير السلع واسعة الاستهلاك وعن تنظيم التجارة الداخلية وعن احتكار بعض التجار وعن تهريب رؤوس الأموال وعن الامتيازات الاجتماعية الصارخة وعن تأميم بعض المؤسسات الخاصة المهمة وعن تقليص الملتقيات التي لا تفضي إلى نتائج ميدانية وعن التعيينات داخل مؤسسات الدولة وعن الجيش والشرطة والدرك والسفراء والولاة والوزراء.
وكأن الجزائر كلها انتقلت معه إلى غرفة العلاج في موسكو.
ربما لهذا تبدو هذه المذكرات مختلفة عن المذكرات التقليدية للزعماء، فهي ليست سردًا للانتصارات ولا تصفية حسابات مع الخصوم ولا محاولة لصناعة صورة تاريخية مثالية.
إنها أقرب إلى دفتر عمل شخصي لرئيس أصابه المرض فجأة بينما لا يزال يعتبر أن أمامه ملفات كثيرة يجب أن تُنجز.
بومدين الذي لم يعرف أن الزمن يضيق
تكمن مأساة هذه الأوراق في معرفتنا نحن بما لم يكن بومدين -على ما يبدو- يعرفغه، نحن نقرأها اليوم ونعرف النهاية، نعرف أنه عاد إلى الجزائر في نوفمبر 1978، ونعرف أنه لم يعد إلى ممارسة الحكم كما كان يتمنى.
ونعرف أيضا أن المرض اشتد عليه وأنه توفي في مستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة يوم 27 ديسمبر 1978.
لكن الرجل الذي كان يكتب في موسكو لم يكن يكتب بهذه الروح، بل كان يضع أمام بعض الملاحظات كلمة “قرار”، كان يقول: عند رجوعي، و كان يخطط لتعيين مسؤول هنا وفتح تحقيق هناك وإصلاح قطاع ومراجعة قانون.
كان يفكر في السنوات المقبلة، بينما لم تكن تفصله عن الموت سوى أسابيع، وصدق الشاعر حين قال
فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا *** وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري
هم الوطن يسكن بومدين
مهما اختلف الجزائريون في تقييم تجربة هواري بومدين، ومهما تباينت المواقف من نظامه وخياراته الاقتصادية والسياسية، فإن هذه الصفحات تقدم صورة يصعب تجاهلها.
صورة رجل كان الوطن حاضرا في ذهنه حتى عندما بدأ جسده يخذله.
لم تكن آخر هواجسه كرسي الحكم وفق ما تكشفه هذه الملاحظات، بل شكل الدولة التي سيعود إليها.
لقد عاد بومدين بالفعل إلى الجزائر، لكن ليس كما كان يتمنى، عاد بجسد أنهكه المرض ولم يمهله القدر طويلا ليحوّل ما كتبه في موسكو إلى قرارات.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين