ليس المولد النّبوي الشّريف في الوجدان الجزائري مجرّد مناسبة تعبّر في روزنامة الأيام، ولا احتفالًا ينتهي بانتهاء ليلة من ليالي ربيع الأول؛ إنّه موعد تتجدّد فيه صلة الذّاكرة بالرّسول الكريم، وتستعيد فيه البيوت شيئًا من دفء السّيرة، وتجد فيه الثّقافة الشّعبية طريقها إلى التّعبير عن المحبّة والوفاء لسيّد الخلق والبشر، محمد صلّى الله عليه وسلم.

وفي الثّاني عشر من ربيع الأوّل، حين تستعيد الأمّة ذكرى مولد النّبي المصطفى، يبدو كأنّ للزّمن في هذه المناسبة قلبًا آخر، فثمّة شيء من النّور يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، فتتهيّأ البيوت، وتتعطّر المجالس، وتعلو أصوات الصّلاة والسّلام على خير الأنام، وتستيقظ في الذّاكرة صور الأجداد وهم يحتفون بهذه الذّكرى بما تيّسر لهم من البساطة والإيمان، إنّها فرحة شعبية، نعم، لكنّها في عمقها فرحة روحيّة؛ لأنّ المحبّة حين تستقرّ في القلب لا بدّ أن تبحث عن شكل تعبّر به عن نفسها.

وفي الجزائر، للمولد النّبوي الشّريف مذاق خاص، تشكّل عبر قرون من التراكم الثّقافي والدّيني والاجتماعي؛ فقد امتزجت المناسبة بعادات النّاس وتقاليدهم، وأصبحت جزءًا من نسيج الذّاكرة الجماعية، وفي كثير من البيوت، لا يبدأ الاحتفال بالزّينة، وإنّما يبدأ باستحضار السّيرة: كيف كان محمد صلّى الله عليه وسلم رحمة تمشي بين النّاس، وكيف استطاع أن يحوّل مجتمعًا تمزّقه العصبيّة إلى أمّة يجمعها الإيمان والأخوّة والعدل.

ثمّ تأتي التفاصيل الصّغيرة التي تمنح المناسبة روحها الشّعبية، تُفتح أبواب البيوت للضّيوف، وتُعدّ الموائد بما تيسّر من أطعمة وحلويّات تقليديّة، وتفوح روائح المطبخ الجزائري في الأزقّة، فيما تتردّد المدائح النّبوية في المجالس والزّوايا والمساجد، وفي بعض المناطق، تظل طقوس الاحتفال مرتبطة بذاكرة محليّة عريقة، تتناقلها الأمّهات والجدّات إلى الأبناء، فيصبح المولد مناسبة لا للاحتفاء فحسب، بل لنقل التّراث من جيل إلى جيل.

ولعلّ أجمل ما في هذا الاحتفال أنّ الطّفل يكون حاضرًا في قلب المشهد، فهو يرى والديه يحتفلان، ويسمع الصّلاة على النّبي، ويتعلّم المدائح، ويشارك في أجواء الفرح، فيتكوّن لديه ارتباط وجداني مبكّر بالسّيرة النّبوية، وهكذا لا تنتقل الثّقافة الشّعبية في المولد بوصفها عادات جامدة، وإنّما بوصفها ذاكرة حيّة، تحمل في داخلها معنى المحبّة والانتماء.

والثّقافة الشّعبية، حين تكون متّصلة بروح المجتمع، لا تحتاج إلى كثير من التّعقيد كي تقول الأشياء الكبيرة، فطبق تقليدي، أو مجلس عائلي، أو أنشودة في ليلة المولد، قد يكون أبلغ في التّعبير عن الوجدان من صفحات طويلة، إنّ النّاس يحتفلون بما يعرفون، وبما ورّثوه، وبما يستطيعون أن يجعلوا منه جسرًا بين قلوبهم وبين المناسبة؛ ولذلك تبدو ليلة المولد في بعض البيوت الجزائرية وكأنّها ليلة استعادة للزّمن الجميل؛ زمن كانت فيه الأسرة أكثر اجتماعًا، والجيران أكثر قربًا، والمجالس أكثر امتلاءً بالحكاية والذّكر.

لكن المولد، في جوهره، ليس احتفالًا بالمظاهر، فالفرح بالنّبي صلى الله عليه وسلم لا يكتمل بالزّينة، ولا بكثرة الموائد، ولا بارتفاع أصوات المدائح وحدها، وإنّما يكتمل حين تتحوّل المحبّة إلى سلوك، فما قيمة أن نذكر الرّحمة في ليلة المولد إذا لم نكن رحماء في أيّامنا؟ وما قيمة أن نتغنّى بالأمانة إذا غابت الأمانة عن معاملاتنا؟ وما جدوى أن نرفع الصّلاة والسّلام على النّبي إذا لم نحاول أن نقتدي بشيء من حلمه وتواضعه وعفوه وعدله؟

هنا تحديدًا تتجاوز المناسبة بعدها الشّعبي إلى بعدها الرّوحي والأخلاقي، فمحمّد صلّى الله عليه وسلم لم يكن مجرّد شخصية عظيمة في التّاريخ، بل كان نموذجًا للإنسان الذي أعاد للإنسان كرامته، وربط العبادة بالأخلاق، والقوّة بالرّحمة، والاختلاف بالتّعارف، والمسؤولية بخدمة الناس، ومن ثمّ فإنّ استحضار مولده ينبغي أن يكون استحضارًا لرسالته أيضًا.

وفي الجزائر، حيث تتجاور الصّحراء والبحر، والقرية والمدينة، وحيث تتنوّع اللّهجات والعادات والأنغام، تبدو المناسبة واحدة في مقصدها وإن اختلفت صوّرها؛ من تلمسان إلى قسنطينة، ومن الجزائر العاصمة إلى واحات الجنوب الكبير، لكلّ منطقة نبرتها الخاصّة في الاحتفال، لكن القلوب تلتقي عند اسم واحد: محمّد صلى الله عليه وسلم، وهذا التنوّع نفسه جزء من جمال الثّقافة الجزائرية؛ إذ يستطيع المعنى الواحد أن يلبس أثوابًا متعدّدة دون أن يفقد جوهره.

إن المولد النّبوي، من هذه الزّاوية، فرصة ثمينة لاستعادة معنى الجماعة، ففي زمن تتسارع فيه الحياة، وتتراجع فيه أحيانًا مساحة اللّقاء الحقيقي بين النّاس، تأتي هذه الذّكرى لتجمع الأسرة حول مائدة، والجيران حول مجلس، والأطفال حول حكاية، والقلوب حول الصّلاة والسّلام على النّبي الكريم، إنّها لحظة تقول لنا إنّ الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، وإنّما يحتاج أيضًا إلى الذّاكرة والمعنى والقدوة.

وإذا كانت المناسبات الشّعبية مرآة للمجتمعات، فإنّ المولد النّبوي يعكس في الجزائر جانبًا أصيلًا من شخصية هذا الشّعب: تعلّقه بالدّين، واعتزازه بالتّراث، واحتفاؤه بالجماعة، وقدرته على تحويل المناسبات الدّينية إلى فضاءات للتواصل والتراحم، غير أنّ الأجمل من حفظ العادة هو أن نحفظ معناها، وألّا تتحوّل المظاهر إلى غاية تحجب عنا جوهر المناسبة.

في المولد، نحن لا نحتفل بماضٍ انقضى، بل نستعيد قيمًا ما تزال قادرة على إضاءة الحاضر، نستعيد الرّحمة في زمن القسوة، والصّدق في زمن الالتباس، والتّواضع في زمن الاستعلاء، والتكافل في زمن الفردانية، نستعيد صورة النّبي صلّى الله عليه وسلم لا بوصفها ذكرى بعيدة، وإنّما بوصفها سؤالًا حاضرًا: ماذا بقي من أخلاقه في حياتنا؟

ولذلك، ربما كان أجمل احتفال بمولد سيّد الخلق أن نخرج من المناسبة بقلوب أكثر صفاء، وبيوت أكثر دفئًا، وعلاقات أكثر رحمة، ومجتمع أكثر تضامنًا؛ أن تكون الصّلاة على النّبي بداية عمل، لا نهاية احتفال؛ وأن تكون السّيرة مدرسة، لا حكاية تُروى ثمّ تُنسى.

هكذا يظل المولد النّبوي الشّريف في الجزائر أكثر من مناسبة في التّقويم الهجري؛ إنّه صفحة مضيئة من الذّاكرة الشّعبية، ومشهد من مشاهد الهويّة الثّقافية، ونافذة روحية تطل منها القلوب على سيرة رجل أرسله الله رحمة للعالمين، وفي كلّ عام، حين يأتي ربيع الأوّل، يبدو أنّ شيئًا في الرّوح الجزائرية يقول للزّمن: ما زال في القلب متّسع للنّور، وما زالت المحبّة قادرة على أن تجمعنا، وما زال اسم محمّد صلى الله عليه وسلم يوقظ فينا أجمل ما يمكن أن يكون عليه الإنسان.

فطوبى لذكرى تجعل البيوت أكثر دفئًا، والقلوب أكثر قربًا، والذّاكرة أكثر حياة، وطوبى لمولدٍ لا نكتفي فيه بأن نفرح بميلاد سيّد الخلق، بل نتعلّم من نوره كيف نجعل من حياتنا امتدادًا لبعض القيم التي جاء بها: رحمةً، وصدقًا، وأمانةً، وعدلًا، ومحبّةً للنّاس.

 ذلك، في نهاية المطاف، هو الاحتفال الذي لا تنطفئ أنواره بانقضاء ليلة المولد، بل يبقى حيًّا في السّلوك، وفي الضّمير، وفي القلب.