تعود قضية رجل الأعمال الجزائري السابق أيوب عيسيو إلى الواجهة في فرنسا، بعد تحرك شخصيات فرنسية للمطالبة بمنع تسليمه إلى الجزائر، في وقت يواصل فيه القضاء الإسباني دراسة طلب رسمي قدمته الجزائر لاسترداده.
وفي عريضة مفتوحة وجهها موقّعون إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، طالب أصحابها بالتدخل للإفراج عن عيسيو المحتجز في إسبانيا، معتبرين أن توقيفه يرتبط، وفق روايتهم، بمواقفه السياسية والإعلامية المعارضة للسلطات الجزائرية.
ونشرت صحيفة “لو جورنال دو ديمانش” الفرنسية اليمينية العريضة قبل أيام تحت عنوان يدعو إلى “إطلاق سراح أيوب عيسيو”، وقالت إن نحو عشرين كاتبا ومفكرا وإعلاميا وقعوا عليها.
وتقول العريضة إن عيسيو، الذي قدمته على أنه “مواطن جزائري من منطقة القبائل” ويقيم في فرنسا منذ 2019، اعتقل في برشلونة في 25 جويلية الماضي بناء على طلب من الجزائر.
ويعتبر الموقعون أن “جريمته المفترضة” تتمثل في انتقاد النظام الجزائري عبر قناة “الجزائرية وان” التي كان يملكها، والتي توقفت عن البث داخل الجزائر عام 2021، قبل أن تواصل نشاطها من الخارج عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.
ودعا أصحاب العريضة ماكرون وسانشيز إلى التحرك لمنع تسليمه، محذرين من أن إعادته إلى الجزائر قد تعرضه للخطر، ومطالبين بالسماح له بالعودة إلى أسرته في فرنسا.
وصاغ الموقعون موقفهم باعتباره دفاعا عن حرية التعبير وحقوق الإنسان، مؤكدين أن تحركهم لا تحركه، وفق نص العريضة، حسابات جيوسياسية أو أيديولوجية، وإنما “الضمير الإنساني” والقيم الديمقراطية.
أسماء مثيرة للجدل خلف العريضة
أثارت قائمة الموقعين على العريضة جدلا واسعا بسبب الخلفيات السياسية والفكرية لبعض الأسماء الواردة فيها، إذ تضم شخصيات من اليمين الفرنسي وأخرى معروفة بمواقف داعمة للكيان الإسرائيلي.
ومن بين الموقعين، وفق المعطيات الواردة في المقال، المحامي أرنو كلارسفيلد، والكاتب والناقد إيريك نولو، والكاتب بوعلام صنصال، والكاتبة سيلين بينا، ووزير الخارجية والشؤون الأوروبية الفرنسي الأسبق برنار كوشنير.
كما يبرز اسم عدد من الشخصيات المعروفة في فرنسا بمواقفها المتعلقة بإسرائيل، من بينها كلارسفيلد، فيما تورد المعطيات أيضا اسم الإمام حسن الشلغومي المعروف بدفاعه عن التقارب مع إسرائيل.
وتعتبر وسائل إعلام تناولت العريضة أن حضور هذه الشخصيات يمنح القضية بعدا سياسيا إضافيا، خصوصا بالنظر إلى طبيعة مواقف عدد من الموقعين.
وترى صحيفة “الوطن” أن العريضة قد تضع أيوب عيسيو في موقف أكثر حساسية، بعدما أعادت تسليط الضوء على علاقاته وتحركاته السابقة.
وذكرت الصحيفة أن عيسيو سافر إلى إسرائيل ثلاث مرات، كانت أولها عام 2022، كما تحدثت عن علاقات قال المقال إنه نسجها مع جهاز الأمن الخارجي الفرنسي عن طريق الصحافي والكاتب محمد سيفاوي.
وتساءلت صحيفة “الخبر” عن أسباب دعم عدد من المثقفين الفرنسيين لما وصفته بـ”هارب جزائري فاسد”، معتبرة أن هناك محاولة لإقحام قصر الإليزيه في قضية ترى أنها ذات طابع قضائي بالأساس.
وأضافت الصحيفة أن شخصين سبق أن عملا حارسين شخصيين لعيسيو يمكنهما، بحسب الرواية التي نشرتها، تقديم معلومات عن تنقلاته بين المغرب وأوروبا وإسرائيل.
وتقدم هذه المعطيات صورة مختلفة عن الصورة التي حاولت العريضة تقديمها، إذ تشير وسائل إعلام إلى أن عيسيو كان رجل أعمال واسع النشاط قبل انتقاله إلى مجال الإعلام.
رجل أعمال متعدد الأنشطة
تعود قصة أيوب عيسيو إلى سنوات سبقت سقوط الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، حين بنى نشاطا في قطاعات اقتصادية متعددة، شملت العقار والاستيراد والفلاحة والصناعة وإنتاج الحليب ومواد البناء.
وفي مرحلة لاحقة، دخل قطاع الإعلام عبر تأسيس قناة “الجزائرية وان”، التي تحولت بعد وقف بثها داخل الجزائر إلى منصة تبث من الخارج عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
لكن نشاطه الاقتصادي تعرض لهزة كبيرة بعد فتح تحقيقات واسعة في الجزائر عقب سقوط بوتفليقة في أبريل 2019، ضمن حملة قضائية استهدفت ملفات فساد طالت رجال أعمال ومسؤولين وشخصيات اقتصادية كانت قريبة من دوائر الحكم خلال السنوات الأخيرة من عهده.
وبحسب المعطيات التي أوردتها مصادر مختلفة، غادر عيسيو الجزائر في أبريل 2019 واستقر في فرنسا، حيث تقدم بطلب للجوء، بينما واصلت الجهات القضائية الجزائرية متابعة ملفه.
وانتهت القضية إلى صدور أحكام غيابية بحقه، كان آخرها في ديسمبر 2025، عندما قضت محكمة سيدي أمحمد بسجنه 20 عاما.
ووفقا للمعطيات الواردة في المقال، استغرق القاضي 27 دقيقة في تلاوة قائمة الممتلكات المصادرة، خاصة في الجزائر العاصمة، حيث قيل إنه كوّن إمبراطورية عقارية.
وتشمل الملفات القضائية اتهامات تتعلق بالتزوير واستعمال المزور وتبييض الأموال ومخالفات مرتبطة بحركة رؤوس الأموال والتحويلات المالية، إضافة إلى قضايا ذات صلة بالنشاط التجاري والعقاري.
توقيف في برشلونة ورفض الإفراج
وفي 25 جويلية الماضي، أوقفت السلطات الإسبانية عيسيو في مطار برشلونة-إل برات لدى وصوله من الدار البيضاء، وذلك تنفيذا لمذكرة توقيف دولية صدرت بطلب من الجزائر.
وأحيل عيسيو إلى المحكمة الوطنية الإسبانية “أودينسيا ناسيونال”، التي باشرت النظر في طلب التسليم المقدم من الجزائر.
وفي 15 أوت، رفض القاضي سانتياغو بيدراز طلب الدفاع الإفراج المؤقت عنه، وأمر باستمرار احتجازه في سجن “بريانز 1” في كتالونيا، مبررا قراره بوجود خطر من فراره قبل استكمال إجراءات التسليم.
وطعن محاميه الإسباني سيزار أغويري في القرار، مقترحا تقديم ضمانات مالية مقابل الإفراج المشروط عنه.
ويواصل القضاء الإسباني دراسة الملف، فيما ينتظر أن يحسم موقفه من طلب التسليم خلال المرحلة المقبلة، وسط توقعات بصدور قرار في النصف الثاني من سبتمبر.
وبينما تحاول العريضة الفرنسية تقديم قضية عيسيو من زاوية حرية التعبير وحقوق الإنسان، تضعه الملفات القضائية والأحكام الصادرة بحقه في الجزائر في إطار قضية فساد ذات امتدادات اقتصادية وقضائية، ليبقى القرار النهائي بشأن مصيره بيد القضاء الإسباني.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين