كانت الليلة مختلفة في جيجل. ألسنة اللهب التي بدأت في مناطق غابية سرعان ما وجدت طريقها نحو القرى والمداشر، فيما كانت الرياح تدفع النار من جبل إلى آخر، وتحوّل مساحات واسعة من الشرق الجزائري إلى جبهات مفتوحة.

من بعيد، تبدو النيران كخطوط متوهجة تتقدم في الظلام. وفي المناطق الأقرب إلى السكان، تحولت حالة التأهب إلى عمليات إجلاء وإغلاق طرق، بينما انشغلت فرق الحماية المدنية بمحاولة تطويق بؤر متعددة في الوقت نفسه.

المشهد ذاته تكرر في بجاية وتيزي وزو وولايات أخرى، في واحدة من أعنف موجات حرائق الغطاء النباتي التي شهدتها الجزائر خلال هذا الصيف.

ليلة ثقيلة في جيجل

في سيدي معروف، كان حجم الحريق أكبر من قدرة الأهالي على استيعاب المشهد.

وقال شاهد عيان من البلدة لـ”أوراس”، إن “الحرائق التي تشهدها قرى ولاية جيجل وبلداتها شرقي البلاد مروعة وغير مسبوقة وأتت على الأخضر واليابس”، موضحا أن خط الحرائق يشمل كل جبال الولاية والقرى الريفية، وأن الرياح القوية ساهمت في سرعة انتقال النيران واتساع رقعتها.

الخوف هنا مرتبط بما قد تحمله الساعات التالية. فالمنطقة تعتمد على الزراعة والرعي والأنشطة الجبلية، فيما باتت النيران تتحرك في فضاء يجمع بين الغابات والأراضي الزراعية والمساكن.

وفي بلديات أولاد يحيى خدروش وتاكسنة وزيامة منصورية وسيدي معروف وبرج الطاهر والشقفة، سجلت مصالح الحماية المدنية عدة بؤر، اقترب بعضها من المناطق المأهولة.

في غبالة ببلدية الشقفة، تحركت النيران باتجاه تاغراست ببرج الطهر وبوعصفور وأمشيد وأسرار وتسبيلان والجمعة بني حبيبي.

وفي بوعقبة بأولاد يحيى خدروش، امتد الحريق نحو مسايكة وتايروا واشبوا وتامدنة وأينان، بينما شهدت منطقة بوخلف في تاكسنة انتشارا للنيران باتجاه بوزنطار والرازيانج والغريانة وأم ثلاثين والكلم.

كلما تغير اتجاه الرياح، تغيرت معه خريطة الخطر.

النيران تقترب من البيوت

في سيدي معروف، اندلع حريق في الأحراش والأدغال بمنطقة أسراف الرواشد، بينما امتدت النيران في أم الحوث وشادية، الواقعة بين تاكسنة وقاوس، نحو شادية وبوهلال وأزاون بالأمير عبد القادر.

وفي زيامة منصورية، سجل حريقان في أولاد علي والشريعية. وامتد الأخير بفعل الرياح إلى محيط الكهوف العجيبة وتازة، ما استدعى مواصلة عمليات الإخماد قرب مساكن المواطنين وإجلاء سكان من المناطق المهددة.

ومع اقتراب النيران، أغلقت السلطات عددا من الطرق التي تربط بلدات الولاية، فيما بدأت عشرات العائلات مغادرة المناطق الأكثر خطرا.

في الشقفة، استمرت عمليات الإجلاء حتى منتصف الليلة، وفتحت مراكز التكوين المهني وبعض المؤسسات التعليمية أبوابها لإيواء العائلات، بينما وجهت السلطات نداء إلى فعاليات المجتمع المدني لتقديم المساعدة.

لم تعد المعركة تدور في أعماق الغابة وحدها. أصبحت المنازل والسكان جزءا من معادلة الطوارئ.

12 وفاة وحصيلة مرشحة للارتفاع

وسط هذا المشهد، أعلنت وزارة الداخلية حصيلة أولية ثقيلة.

وقال وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، مساء الأربعاء، إن الحرائق خلفت 12 وفاة، توزعت على جيجل بـ5 وفيات، وبجاية بـ4 وفيات، وتيزي وزو بـ3 وفيات.

الحصيلة، وفق الوزير، تبقى أولية وقابلة للتغير مع استمرار عمليات التدخل ورفع آثار الحرائق، خاصة في جيجل، حيث لم تتضح بعد الصورة الكاملة للخسائر.

وفي بجاية، سجلت 54 إصابة، بينها 6 أشخاص في حالة خطرة يوجدون في مصلحة العناية المركزة، بينما واصلت فرق الحماية المدنية تدخلاتها في عدة بلديات، مع اقتراب النيران من تجمعات سكانية وتنفيذ عمليات إجلاء احترازية.

193 حريقا في مختلف الولايات

لم تكن جيجل وبجاية وحدهما في مواجهة النيران.

وبحسب الحصيلة العملياتية للحماية المدنية، سجلت الجزائر 193 حريقا للغطاء النباتي عبر البلاد، أُخمد منها 147 حريقا، بينما بقي 46 حريقا متواصلا إلى غاية السابعة صباحا من يوم الخميس.

وسجلت جيجل وبجاية وسكيكدة 7 حرائق في كل ولاية، والطارف وتيزي وزو 5 حرائق لكل منهما، وعنابة وقالمة 4 حرائق لكل ولاية، وميلة حريقين، بينما سجلت تبسة وقسنطينة وتيسمسيلت وسوق أهراس وسطيف حريقا واحدا في كل ولاية.

خريطة الحرائق تكشف اتساع رقعة الأزمة، خصوصا في الشرق والشمال الشرقي، حيث تتداخل المساحات الغابية مع المناطق السكنية والزراعية.

ثروة طبيعية في مواجهة النار

جيجل وبجاية تشكلان معا شريطا غابيا وجبليا يمتد على الساحل الشرقي، ويضم غابات كثيفة وجبالا وشواطئ وقرى ومداشر ومناطق زراعية.

لذلك، لا تقاس الخسائر المحتملة بعدد الأشجار المحترقة فقط. فالنيران تهدد أراضي زراعية وممتلكات خاصة ومركبات ومنشآت، إضافة إلى منظومة بيئية وسياحية تتميز بها المنطقة.

وفي ظل تداول صفحات محلية ومستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي معلومات عن خسائر إضافية في المنازل والممتلكات والمساحات الزراعية، تبقى هذه المعطيات في انتظار التثبيت الرسمي ونتائج عمليات الإحصاء الميداني.

وفي المقابل، تصاعدت نداءات المساعدة على منصات التواصل الاجتماعي، مع مطالب بتعزيز قدرات فرق الإطفاء ودعم وسائل التدخل، وصولا إلى دعوات لإعلان جيجل “ولاية منكوبة”.

تأتي هذه الحرائق في ظروف جوية صعبة، مع ارتفاع درجات الحرارة وهبوب رياح قوية وساخنة.

وفي المناطق الجبلية والغابية، تتحول الرياح إلى عامل يضاعف سرعة انتشار النيران ويصعب مهمة فرق الإطفاء، خصوصا عندما تتعدد البؤر وتتقارب من المناطق المأهولة.

ومع استمرار عمليات الإخماد والإجلاء، تبقى الأولوية في جيجل وبجاية لمنع وصول النيران إلى مزيد من المنازل وحماية السكان، بينما تنتظر السلطات اكتمال عمليات الحصر لتحديد الحجم الفعلي للخسائر.