في منطقة سيدي الزروق التابعة لبلدية سيدي معروف، عند المدخل الشرقي لولاية جيجل، كانت عقارب الساعة تشير إلى نحو الثانية زوالا، حين وصلني اتصال من أختي.

كان صوتها مرتعشا وهي تخبرني بأن النيران تحاصر منزلها.

من دون تفكير، هرعت إلى المكان. وفي الطريق، صادفت عائلات مذهولة من هول ما يحدث، وجوها شاحبة وأنظارا شاخصة تتابع ألسنة اللهب وهي تتمدد بسرعة مخيفة.

النار على الأبواب

بالقرب من المنزل، أوقفتني عمتي سليمة وابنها، وطلبا مني عدم التقدم، محذرين من خطورة الوضع.

تريثت قليلا، ثم واصلت.

كانت النيران على مشارف المنزل والمنازل المجاورة، فيما بدأت في الجهة المقابلة تلتهم الأعشاب والأشجار وكل ما تصادفه في طريقها.

حتى الموتى لم يسلموا منها، بعدما امتدت ألسنة اللهب إلى مقبرة الرواشد.

نحو أسراف.

عدت أدراجي واتجهت نحو قرية أسراف.

هناك كان المشهد أكثر رعبا، النيران تشتعل بشكل مخيف، وأعمدة الدخان تتصاعد في السماء، فيما كان عشرات الشباب ورجال الحماية المدنية يخوضون معركة شرسة لوقف تقدمها.

وبين الأهالي، تداولت روايات تفيد بأن الحريق انطلق من القرية المجاورة البادسي، وتحديدا بالقرب من المطعم المعروف «الريم الجميل» بحمام بني هارون.

النار تقترب من منزلي


وسط ألسنة اللهب وأعمدة الدخان، تلقيت اتصالا جديدا.

هذه المرة كان منزلي هو المقصود.

النيران أصبحت على بعد أمتار قليلة منه.

هرعت مسرعا.

في الطريق، كانت ألسنة اللهب تأتي على الأخضر واليابس.

أصوات مرتفعة، وجوه شاحبة، وأنظار لا تعرف أين المفر.

قال لي أحدهم وهو يتابع المشهد:
«هذه مشاهد من يوم الحساب».

كانت العبارة تختصر هول اللحظة.

طريق واحد بين النار والبيت

طريق معبد فقط كان يفصل بين النيران القادمة من مختلف الجهات وبين المنزل.
شباب المنطقة وقفوا في مواجهتها بأغصان الأشجار وبما توفر لهم من إمكانات بسيطة، إلى جانب عناصر الحماية المدنية.

كان المشهد أشبه بمعركة مفتوحة.

النار من جهة، وأبناء المنطقة من جهة أخرى.

يقول هارون حداد، أحد أبرز الشباب الذين شاركوا في عمليات الإطفاء والتطوع:
«حاربنا النيران بسواعدنا وبما نملك من إمكانات. كان همنا الوحيد هو منع النيران من الوصول إلى منازل وممتلكات الناس. لم تكن المهمة سهلة، واجهنا الخطر من أجل إنقاذ الأرواح».

ليلتان بلا نوم

وسط المعركة، لم تكن النيران وحدها ما يثير الخوف.

الأخبار تتوالى، والمشاهد تزداد قسوة.

محمد طبال، أحد الشباب المتطوعين من المنطقة، يقول إن الحريق الذي اجتاح الولاية لم يشهد له مثيلا من قبل، مؤكدا أنه لم يذق طعم النوم ليومين متتاليين بسبب الهلع والمشاهد المروعة التي عاشها السكان.

ويضيف: «نوجه شكرنا الخالص للقوافل المتضامنة معنا، وكان من واجبنا أن نستقبلهم بمبادراتنا».

أول أخبار الموت

في خضم المواجهة، بدأت تصل أخبار الضحايا.

عمي أحمد، من قرية البادسي، كان أول من وصلنا خبر وفاته، بعدما حاصرته النيران داخل منزله ولم يتمكن من النجاة، فيما كانت زوجته تصارع الموت في المستشفى.

عندها لم يعد الحريق مجرد كارثة طبيعية تلتهم الأشجار.
لقد أصبح مأساة إنسانية.

أين المفر؟

بدأ الدخان الأسود يغطي المكان.

آثار الحريق تتساقط من الأشجار فوق رؤوس الناس، ولم يعد على الألسنة حديث سوى النيران والسؤال نفسه: أين المفر؟.

يحزم الناس أغراضهم المهمة، ويحملون ما يستطيعون حمله في دقائق، ثم يفر كل واحد منهم نحو أقارب أو منازل بدت، ولو مؤقتا، أكثر أمنا من جحيم النار.

شباب في قلب المعركة

تتوالى الأخبار المفزعة والمشاهد الصادمة من قرى الولاية، حيث كانت النيران أكثر شدة وألما.

وفي قلب هذا المشهد، تصدر الشباب واجهة عمليات الإنقاذ والإطفاء.

شباب أنهكتهم البطالة والتهميش والظروف الصعبة، وجدوا أنفسهم في تلك الساعات في الصفوف الأولى لمواجهة النيران.

لم ينتظروا كثيرا، حملوا ما توفر لهم من وسائل، واتجهوا إلى مناطق الخطر لإنقاذ الناس وحماية البيوت.

من ينقذ من؟

كان السؤال يتردد في كل مكان.

من ينقذ من؟

وفي غياب الإمكانات الكافية أمام اتساع رقعة النيران، وجد أبناء القرى أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الحريق، يساعدون العائلات على المغادرة، ويحاولون إبعاد النيران عن المنازل والممتلكات.

القوافل تصل

لكن التضامن لم يتأخر..

عند قرية اغزالة بمدخل الولاية الشرقي، كان شباب المنطقة في استقبال القوافل التضامنية القادمة من مختلف الولايات.

هارون حداد يقول: «استقبلنا القوافل المتضامنة بقرية اغزالة عند مدخل الولاية الشرقي، وهذا واجبنا. خصصنا لهم الإطعام المجاني بمبادرات شبابية من أجل بلدنا والوقوف في وجه الخونة المتربصين بالجزائر».

كانت المبادرات بسيطة، لكنها حملت رسالة واضحة: أبناء جيجل ليسوا وحدهم
«جئنا من أجل أبناء وطننا».

ومن العاصمة، وصلت قوافل محملة بالمساعدات والتضامن.

أحد المتطوعين القادمين من تسالة المرجة بالعاصمة يقول: «قدمنا هنا إلى ولاية جيجل للوقوف مع أبناء وطننا لتجاوز محنتهم وهذه المأساة، وقد حظينا باستقبال مشرف يعكس خصال أبناء ولاية جيجل».

كلمات تختصر مشهدا أكبر من مجرد قوافل مساعدات.

إنها لحظة تضامن وطني في مواجهة كارثة تجاوزت حدود قرية أو بلدية.

الرماد خلف الحكاية

أتت النيران على الأشجار والحيوانات والمنازل والبشر.

وخلفت وراءها رمادا وآثارا ستبقى شاهدة على حجم المأساة.

أشجار سوداء، منازل متضررة، أراضٍ تحولت إلى رماد، وعائلات وجدت نفسها أمام واقع جديد لم تكن تتوقعه.

لكن وسط الخراب، برزت مشاهد أخرى تبعث على الطمأنينة.
شباب يستقبلون القوافل.

عائلات تفتح أبوابها للنازحين.

ومتطوعون يقدمون الطعام والماء.

عائلات بلا مأوى

عائلات تشردت، ومؤسسات استشفائية اكتظت، وحرارة مرتفعة زادت المشهد قسوة.

ومع حلول الليل، وجد السكان أنفسهم أمام ظلام دامس بفعل انقطاع التيار الكهربائي، فيما بقيت آثار الحرائق ودخانها حاضرة في كل مكان.

كانت ساعات طويلة من الخوف والانتظار.

جيجل بعد النار


وسط مآسيه اليومية، لم يكن المواطن في ولاية جيجل يتوقع كارثة بهذا الحجم.

في ساعات قليلة، تحولت الحياة العادية إلى سباق مع النار.

أصبح المنزل الذي كان عنوانا للأمان مكانا مهددا، والطريق الذي اعتاد الناس عبوره مسارا للهروب، والشجرة التي كانت تمنح الظل وقودا للهب.

لكن في قلب هذه المأساة، بقي مشهد آخر حاضرا.

شباب يواجهون النار.

متطوعون يقطعون مئات الكيلومترات.

عائلات تستقبل العائلات.

وقوافل تأتي من مختلف الولايات حاملة الماء والغذاء والمساعدة.

احترقت أجزاء من جيجل، لكن وسط الرماد ظهرت وجوه كثيرة اختارت أن تواجه الكارثة بالتضامن، وأن تقول لأبناء الولاية: لستم وحدكم.