ليست الحرائق التي اجتاحت بعض مدن الشّرق الجزائري، وفي مقدّمتها جيجل وبجاية وسكيكدة، مجرّد حدث عابر في جدول الكوارث، ولا مجرّد أرقام تُضاف إلى سجل الخسائر البشرية والمادّية والبيئية.
إنّ بعض الأحداث، مهما كانت قسوتها، تحمل في جوفها أسئلة أكبر من حجمها الظّاهر؛ أسئلة تتّصل بما نحن عليه، وبما يمكن أن نصير إليه، وبقدرتنا على تحويل المحنة من جرح مفتوح إلى وعي جديد.
لقد كانت جيجل، التي نالت القسط الأكبر من لهيب الحرائق المدمّرة، شاهدة على مأساة لم تستثنِ شيئاً تقريباً: بشراً، وشجراً، وحجراً، وذاكرة أماكن طالما اختزنت علاقة الجزائري بالأرض والطّبيعة والبيت والقرية، وفي مثل هذه اللّحظات، حين يشتدّ الخطر وتتراجع المسافات بين الإنسان ومصيره، تنكشف حقيقة المجتمعات بعيداً عن الخطب والشّعارات، وهنا كانت الصّورة الجزائرية مختلفة.
فقد هبّ الشّعب الجزائري، بكل أطيافه وفضاءاته، وكأنّ نداءً خفياً صدر من قلب واحد، لم ينتظر النّاس كثيراً كي يسألوا: من المسؤول؟ ومن يبدأ؟ ومن يملك الإمكانات؟ بل تحرّكت الفطرة قبل الحسابات، وتحرّكت النّجدة قبل النّقاش، وتحوّل التضامن من فكرة أخلاقية إلى فعل يومي: مساعدات، وقوافل، ومؤازرة، وإسناد، وفتح للبيوت والقلوب، وتعبير صادق عن معنى الأخوّة الوطنية، التي هي أقوى سلاح.
في الكوارث الكبرى تسقط كثير من الأقنعة؛ إذ لا يعود الإنسان قادراً على الاختباء خلف المسمّيات، هناك، أمام النّار، يصبح الوطن بيتاً واحداً، ويصبح وجع الآخر جزءاً من وجع الذات، وهذه، في تقديري، هي الصّورة الأهم التي ينبغي ألا تمرّ علينا مرور الكرام.
لقد أثبت الجزائريون، مرّة أخرى، أنّ في هذه الأرض رصيداً هائلاً من المناعة الاجتماعية، وأنّ الوحدة الوطنية ليست دائماً نصّاً مكتوباً أو خطاباً رسمياً، وإنّما هي في لحظات كثيرة غريزة نبيلة تسكن وجدان النّاس وتظهر عندما تستدعيها الضّرورة، قد نختلف في السّياسة، وفي الرّؤى، وفي تقييم الأداء، وقد نعيش أحياناً ضغوطاً اجتماعية واقتصادية ونشعر بالتّعب والقلق، لكنّ ذلك كلّه لا يعني أنّ الخيط الذي يشدّ الجزائري إلى أخيه قد انقطع، بل لعلّ الأزمات تكشف أنّ هذا الخيط أقوى ممّا نظن.
لقد حاولت بعض الأصوات، في مثل هذه الظّروف، أن تصطاد في مياه الألم، وأن تجعل من الكارثة مدخلاً للفوضى أو التّشكيك أو تفكيك الثّقة بين المواطن ومؤسّسات وطنه، غير أنّ الوعي الشّعبي، في مجمله، كان أسرع من محاولات الاستثمار في الخوف، فقد أدرك الجزائري أنّ اللّحظة ليست لحظة خصومة، وأنّ النّار التي تأكل الغابة لا تفرّق بين بيت وبيت، ولا بين منطقة وأخرى، وأنّ الوطن الذي يواجه الخطر يحتاج إلى أبنائه متكاتفين لا متنازعين، وهنا تكمن القيمة السّياسية والأخلاقية الكبرى لهذه التّجربة.
فالمجتمع الذي يستطيع أن ينتقل، في لحظة الخطر، من حالة التلقّي إلى حالة المبادرة، هو مجتمع يمتلك مقوّمات اليقظة؛ واليقظة ليست أن نخاف من الخطر، بل أن نراه قبل أن يتحوّل إلى كارثة، وليست أن نعيش في حالة شكّ دائم، وإنّما أن نمتلك وعياً دائماً بما يحيط بنا من احتمالات ومخاطر، وأن نُحسن التّمييز بين النّقد الذي يبني، والفوضى التي تهدم، وبين التّعبير المشروع عن الألم، ومحاولات تحويل الألم إلى وقود للفتنة، ومن هنا ينبغي أن نقرأ هذه الهبّة الشّعبية قراءة أعمق.
لقد أظهر الجزائريون أنّ اليقظة الوطنية يمكن أن تكون سلوكاً مجتمعياً قبل أن تكون إجراءً إدارياً، وما حدث في جيجل وبجاية وسكيكدة ينبغي ألّا يبقى مجرّد ذكرى مرتبطة بأيّام عصيبة، بل ينبغي أن يتحوّل إلى درس مؤسّسي ومجتمعي يُستثمر في تفعيل (قانون اليقظة المستمر).
والمقصود باليقظة المستمرّة ليس أن يتحوّل المجتمع إلى حالة طوارئ دائمة، وإنّما أن تتأسّس ثقافة وطنية تقوم على الاستباق: مراقبة المخاطر، حماية الغابات، رفع جاهزية أجهزة الإنقاذ، إشراك المجتمع المدني، تكوين المواطنين في الإسعاف والإخلاء والتصرّف أثناء الكوارث، تطوير قنوات الإنذار المبكّر، وتوفير المعلومة الموثوقة في الوقت المناسب.
إنّ الدولة تستطيع أن تضع القوانين والخطط، وتوفّر الوسائل والعتاد، لكن المجتمع اليقظ هو الذي يجعل هذه المنظومة أكثر قوّة وفعالية.
ولذلك فإنّ تثمين هذه الرّوح التضامنية لا يكون فقط بتوجيه عبارات الشّكر إلى من بادروا إلى النّجدة، على أهمية ذلك، بل بتحويل التّجربة إلى مؤسّسة من مؤسّسات الوعي الوطني، لماذا لا تتحوّل هذه المبادرات العفوية إلى شبكات منظمة للتطوع وقت الكوارث؟ ولماذا لا يصبح في كلّ منطقة رصيد من المتطوعين المدربين على التدخّل الأولي؟ ولماذا لا تُستثمر الطاقات الشّبابية التي ظهرت في الميدان في برامج دائمة لحماية البيئة والوقاية من الحرائق؟
إننا أمام فرصة لكي ننتقل من ثقافة ردّ الفعل إلى ثقافة الاستباق.
فالحرائق قد تخمد، والدخّان قد ينقشع، والطرق قد تعود إلى هدوئها، لكن السؤال الحقيقي يبقى: ماذا تعلّمنا؟
إذا كان الوطن قد اكتشف في أيام المحنة أنّ أبناءه قادرون على الوقوف صفّاً واحداً، فإنّ من واجبه أن يحافظ على هذه الطّاقة، وأن يحوّلها إلى قوّة مستدامة؛ فالوحدة الوطنية لا ينبغي أن تظهر فقط عندما يهدّد الخطر الجميع؛ بل يجب أن تصبح ممارسة يومية في المدرسة، والجامعة، والإدارة، والإعلام، والحي، والقرية، ومواقع التواصل.
ولعلّ أجمل ما في هذه المحنة أنّها أعادت تذكيرنا بحقيقة بسيطة وعميقة: الوطن ليس فقط أرضاً نعيش فوقها، بل علاقة نعيش من خلالها.
عندما يحترق بيت في جيجل، ينبغي أن يشعر به ابن وهران وتلمسان وقسنطينة وتمنراست، والعريشة وتندوف ومستغانم… وعندما تصاب غابة في بجاية، ينبغي أن يشعر بها كلّ جزائري؛ لأنّ الأشجار لا تحمل بطاقات هوية، والهواء لا يعترف بالحدود الولائية، والماء والبيئة والإنسان يشتركون جميعاً في مصير واحد.
من هنا، فإنّ أجمل ما يمكن أن نفعله بعد انحسار النّار هو ألا نسمح بانحسار اليقظة، فلنجعل من هذه الوقفة الشّعبية درساً في المواطنة، ومن التضامن العفوي ثقافة مؤطّرة، ومن الخوف من الكارثة معرفةً واستعداداً، ومن الألم المشترك جسراً جديداً بين الجزائريين.
لقد حاولت النّار أن تلتهم الشّجر والحجر، لكنّها كشفت، في المقابل، عن شيء لا تحرقه النيران: معدن الإنسان الجزائري حين يستشعر أنّ الوطن في خطر.
وهذا المعدن الثّمين يحتاج إلى رعاية، لا إلى استنزاف؛ وإلى تنظيم، لا إلى تركه رهين اللّحظة؛ وإلى تحويله إلى قوّة يقظة دائمة تحرس الوطن في أيام الهدوء قبل أيّام العاصفة.
فقد تنام النّار تحت الرّماد، وقد تأتي أزمة أخرى من حيث لا نحتسب، لكنّ الوطن الذي يبقى يقظاً، متضامناً، واعياً، ومتأهّباً، يكون قد انتصر على الخطر قبل أن يبدأ.
إنها إذن ليست حكاية حرائق فقط، إنّها حكاية شعب استيقظ حين اشتدّت النّار، وحكاية وطن ينبغي أن يتعلّم كيف يجعل من هذا الاستيقاظ يقظةً لا تنام.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين