أشار عبد العزيز جراد خلال قبل أيام إلى لا مبالاة الجزائريين بوباء كورنا والتي تحتاج حسبه إلى دراسة سوسيولوجية.
وقد دار نقاش في مواقع التواصل الاجتماعي تمحور حول هذه الجزئية التي تظهر معضلة التصادم بين ما يطالب به الأطباء والمختصون لمواجهة الجائحة في مقابل عدم التزام بعض الأطياف من المجتمع الجزائري بإجراءات الوقاية، بل وعدم إيمانهم بوجوده أساسا، ونسبته إلى مؤامرات عالمية أو حتى محلية، واستمرارهم في حياتهم الطبيعية وخرق قوانين الحجر الصحي بإقامة الأعراس والحفلات في منازلهم.
تصريحات الوزير الأول تسلط الضوء على مسألة واقع العلوم الإنسانية والاجتماعية في الدول والمجتمعات المتخلفة ومن بينها الجزائر، إذ ثمة اعتقاد مشترك بين العديد من المسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة وفي المجتمع يستخف بهذا الحقل من العلوم ويعتبره مجرد فضفضة وكلام فارغ وأنه لا جدوى منه، وتطور البلد يقتضي بالنسبة لهؤلاء ضرورة التركيز على العلوم التجريبية التي تعتبر الرافعة الأساسية لأي نهضة بدليل المستوى الذي بلغته المجتمعات المتقدمة بفضل هذه العلوم كما يخيل لهم.
هذا التصور يعبر المسؤولون عنه بطرق مباشرة وغير مباشرة وهناك الكثير من التصريحات والممارسات التي تصب في هذا الاتجاه لعل أبرزها شبه الغياب التام لمراكز الأبحاث والدراسات في هذه المجالات، وما يحصل لأقسام العلوم السياسية التي تتجه نحو الانقراض تماما مثلما حدث مع تخصص علم الاجتماع السياسي الذي أضحى أثرا بعد عين في الجامعات الجزائرية.
والأمر نفسه مجتمعيا حيث يسعى جل الأولياء لتحصيل أبنائهم معدلات عالية في البكالوريا تتيح لهم فرصة الالتحاق بكليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها من حقول العلوم التجريبية، فجميعهم يريد أن يكون ابنه طبيبا أو مهندسا ولكن نادرا ما تجد أحدهم يرغب أن يصبح ابنه باحثا اجتماعيا أو سياسيا أو مؤرخا أو أديبا وغيرها من مجالات العلوم الانسانية والاجتماعية.
وهذا الأمر أكثر ما يظهر في توجيه التلاميذ في المتوسط والثانوي حيث يعمد المستشارون التربويون والأساتذة إلى توجيه التلاميذ نحو شعب العلوم والرياضيات وينفرونهم من الشعب الأدبية التي ألصقت بها تعبيرات مهينة من قبيل “شعبة البغال”، ويقرنون النجاح بالشعب العلمية والفشل بالشعب الأدبية.
أظهرت جائحة كورونا أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية في إدارة المجتمعات لمجابهة الأزمات، فالعلم يحتاج كثيرا من الوقت للوصول إلى لقاحات تقي من الوباء قدّرها بعضهم بين سنة وسنة ونصف مع احتمال عدم التوصل للقاح، في انتظار ذلك؛ كان لابد على الدول والمجتمعات اتخاذ جملة من التدابير للحد من انتشار الوباء، وقد زاوجت بين تلك المرتبط بالعلوم التجريبية وتحديدا في مجال الطب من بعض الأدوية والاجراءات الوقائية كوضع اللثام على الوجه (الكمامات)، والمعقمات، والتباعد الاجتماعي والحجر الصحي وما إلى ذلك.
غير أن كل هذه الاجراءات يستحيل أن تأتي بالنتائج المرجوة منها دون أن تصاحب بإدارة سياسية راشدة ووعي اجتماعي بالمخاطر حتى تتكاثف الجهود، لأنه نظريا يفترض القضاء على الوباء في ظرف شهر أو شهرين، لكن الواقع مختلف تماما لأن الظاهرة الإنسانية مركبة ومعقدة وتتداخل فيها أبعاد كثيرة منها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية فضلا عن السياسية.
بناء عليه يتوجب عند صياغة أي استراتيجية سواء لمواجهة أزمة طارئة أو رسم مستقبل الدولة الأخذ بعين الاعتبار كل هذه الأبعاد التي هي في الأصل متكاملة مع بعضها البعض، فالعلاقة بين العلوم التجريبية والعلوم الانسانية والاجتماعية علاقة تكامل وتعاون وليس تعارض وتصادم، ويستحيل حل أزمة ما بالاستناد على أحدها دون الآخر، ولا يمكن أن تحدث دولة ما نقلة في مسارها التاريخي بالارتكاز على أحدها فقط، لأنها لا يمكن أن تسير على رجل واحدة، أو تطير بجناح واحد.
فهل ستكون صدمة كورونا محفزا يدفع نحو تصالح السلطة والمجتمع مع العلوم الإنسانية والاجتماعية أم سيستمر كلاهما في غيه وأوهامه؟









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين