تزامنا مع الارتفاع المتزايد في حالات الإصابة المسجلة بوباء كورونا في الأيام الأخيرة؛ تعالت بعض الأصوات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بضرورة تدخل الجيش لفرض الحجر الصحي بعد فشل المدنيين في إدارة الأزمة، واستهتار قطاع كبير من الجزائريين بالوباء، وعدم التزامهم بإجراءات التباعد الاجتماعي التي لن يلتزموا بها إلا بوسائل القوة والإكراه التي يمتلكها الجيش؛ لأن هذا سيؤدي حسبهم إلى هلاك هؤلاء وأقاربهم قبل غيرهم، وإدخال البلاد في أتون أزمة ليس لها القدرة على مواجهتها.
لا تستند مطالب تدخل الجيش لمواجهة الوباء على أسس موضوعية قوية؛ بل على العكس من ذلك تنطلق من تصورات خاطئة حول أسباب ارتفاع نسب الإصابة بالوباء مؤخرا.
وهي تفترض أن السبب مرده عدم التزام المواطنين بالحجر الصحي وخرقهم له، وهذه مغالطة لأن الحجر الصحي المفروض يحقق هدفه المنشود رغم الخرقات البسيطة التي لا ترتقي إلى مستوى المطالبة الجيش بالتدخل لفرضه، لأن الحركة بعد الحجر تكاد تنعدم وتبقى محصورة في الأحياء نفسها بتجمعات صغيرة هنا وهنالك بسبب ارتفاع درجة الحرارة داخل البيوت، وأيضا صغر حجمها مقابل عدد أفراد الأسرة؛ وغيره من الأسباب، وهؤلاء في الساعات خارج الحجر يتواصلون مع بعضهم البعض بشكل أكبر، وبالتالي فإن الغرض من الحجر مستوفى وليس بالضرورة أن تنعدم الحركة كليا لأن طبيعة الخطر لا تستدعي ذلك.
الأمر الثاني أن بعض أسباب الانتشار مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية الضيقة التي يصعب رصدها والتحكم فيها؛ إذ أشار وزير الصحة إلى أن ربع الإصابات تعود لأسباب عائلية، بسبب الزيارات والأعراس والجنائز وعدم احترام إجراءات الوقاية والتباعد الاجتماعي.
ومثل هذه الأسباب تكفي معها القرارات الحكومية كتعليق إبرام عقود الزواج مثلا، وتسليط عقوبات مالية لمن لا يلتزم بها، وأيضا العودة إلى غلق بعض الأسواق التي فتحت لتجنب الانتشار الواسع.
من ناحية ثالثة هناك العديد من المشكلات التي لن يكون للجيش أي تأثير عليها؛ على غرار حالة الاكتظاظ التي تشهدها مراكز البريد في الفترة الأخيرة بسبب نقص السيولة؛ وتلك الفوضى التي عرفتها المطاحن في بدايات الحجر الصحي شهر مارس الماضي. فهذه القضايا تبقى أولا وأخيرا مسؤولية المدني الذي يتوجب عليه إيجاد حلول لها، فالمواطن مكره على الوقوف ساعات طويلة أمام مراكز البريد وليس غرضه، ولا بد له من ذلك حتى يسير حاجياته اليومية.
رابعا فإن الدول التي فرضت حجرا شاملا كان ذلك لفترة قصيرة نسبيا، وبالتوازي أيضا مع خطة عمل رصدت لها إمكانيات مادية كبيرة تمتلكها تلك الدول، وفي مقدمتها قدرتها على إجراء فحوص لمواطنيها، على عكس الجزائر التي لم تهيء نفسها لمثل هذه السيناريوهات؛ وظلت معتمدة على معهد باستور على المستوى الوطني، وكإجراء مؤقت اعتمدت على أجهزة السكانير التي أحدثت نتائجها المغلوطة أحيانا بلبلة في الأوساط الشعبية، وكانت من الأسباب التي ساهمت في تعزيز أطروحة المؤامرة وثقافة اللامبالاة، فضلا عن أخطاء أخرى وقعت فيها السلطة السياسية؛ والتي كانت لها آثار سلبية على المواطنين؛ من قبيل الترخيص لبعض الأحزاب السياسية بإجراء مؤتمراتها والتي رصدت الكاميرات التي غطتها عدم احترام إجراءات التباعد الاجتماعي فيها؛ بل وتوظيف أحد الأحزاب الوباء لمنع منافس على الأمانة العامة للحزب من الترشح.
فمثل هذه الممارسات وغيرها بكل تأكيد كان لها انعكاسات على المواطنين، وأي تدخل للمؤسسة العسكرية لمواجهة الوباء دون الأخذ بعين الاعتبار كل هذه الأبعاد قراءة غير سليمة للواقع.
قد يكون من المفيد مساعدة الجيش من خلال المؤسسات الصحية التابعة له؛ خاصة على مستوى المدن التي يبلغ فيها القطاع الصحي المدني حده الأقصى، لكن أي مطالب خارج هذا الإطار لا تتناسب مع الوضع الحالي.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين