الرئيسية » مقالات الرأي » “الفرنسية غنيمة حرب”.. تفكيك الأسطورة

“الفرنسية غنيمة حرب”.. تفكيك الأسطورة

اعتادت الآذان والأذهان الجزائرية على مقولة: “اللغة الفرنسية غنيمة حرب”، قالها ذات يوم المسرحي ” كاتب ياسين” وألقى إليه السمع من وقعت الكلمة في جراب هواهم. تبعهم بعض الناس بالقول إنه لا بأس بالحفاظ عليها كلغة جانبية للضرورة. ولكن هلا توقفنا وأعدنا النظر في هذه الأطروحة وما معناها أساسا؟، وهل اللغة الفرنسية فعلا إضافة للمجتمع الجزائري؟ أم أنها عبء استعماري؟.

انتهجت فرنسا طيلة سنوات الاستعمار سياسات الفرنسة، أي إحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية في جميع مجالات الحياة، لتصبح اللغة الفرنسية تدريجيا، لغة الإدارة والحكم و”النخبة”. أتت فرنسا بإستراتيجية واضحة المعالم، بداية بدراسة لسان المجتمع الجزائري وثقافته، ومن ثم التغلغل فيه، فركزت على العربية الدارجة، وأدرجت قواميس لها، في حين تغاضت عن الفصحى، وفرضت اللغة الفرنسية كلغة تعامل.

أتت هاته السياسات على شكل القضاء على المؤسسة الدينية بمفهومها الواسع، وبالتالي إضعاف مكانة اللغة العربية، وعزل الجزائر عن محيطها العربي الإسلامي، وتقييد الاحتكاك مع المشرق، بالإضافة إلى إنشاء وتشجيع الجمعيات التبشيرية المسيحية، والمؤسسات والمدارس الفرنسية.

أدركت فرنسا الاستعمارية أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما هي المنظور الذي يرى به المجتمع نفسه ويرى به الآخر، وهي مفتاح التبعية الثقافية، استخدمتها فرنسا كأداة استعمار، وما زالت توظفها إلى اليوم.

تُعد مستعمرات فرنسا سابقا، خاصة في غرب ووسط إفريقيا، خزاناً واسعا للناطقين بالفرنسية. تستعمل فرنسا هذه الدول لأغراض اقتصادية وسياسية، فتوظف كبرى شركاتها للاستثمار في هذه الدول، وتوظف “الفرنك” الإفريقي لغايتها الاقتصادية، في حين تمثل هذه الدول الإفريقية شبكة دول حليفة تدعم مواقف فرنسا السياسية.

المكانة اللائقة؟!

يقول سعد دحلب، عن اتفاقيات إيفيان في كتاب “المهمة منجزة من أجل استقلال الجزائر”، إن “اللغة الرسمية في الجزائر قد أثارت جدلا كبيرا، أراد الفرنسيون أن تكون الفرنسية هي اللغة الرسمية، أو على الأقل اللغتان كلتاهما معا (الفرنسية والعربية)، وفي آخر الأمر جعلنا للفرنسية مكانة لائقة (بالنسبة للغات الأجنبية الأخرى) فلم نكن نرى من الفرنسية في قرارة أنفسنا إلا أنها ذات فائدة بجانب اللغة العربية الوطنية، والرسمية الوحيدة في البلاد “

إصرار فرنسا على مكانة لغتها في الجزائر المستقلة، متجذرة في الثقافة الاستعمارية.، فطيلة سنوات الاحتلال، وفرنسا تعدّ موضوع اللغة محورياً، فحتى وإن لم تعد الفرنسية لغة رسمية، في الجزائر المستقلة، إلا أن مصطلح “المكانة اللائقة”، الذي استعمله سعد دحلب، لا بد أن يوضع تحته خط.

منطق سعد دحلب هنا يبرر مقولة إن الفرنسية “غنيمة حرب” ويمكن أن نتفهم هذا حسب معطيات ذلك الوقت، فقد حاولت الجزائر المستقلة بناء دولة من الصفر، وكان من المنطقي استغلال الفرنسية كأداة للانتقال من مستعمرة فرنسية، الى دولة مستقلة تستخدم لغتها الوطنية في كل مفاصل حياتها. أو هكذا كان المراد. ولكن اليوم وبعد 58 عاما من الاستقلال، ما زلنا نرى مخلفات هذه اللغة، وآثارها ومكانتها. فهل ما زالت مقولة “الفرنسية غنيمة حرب” ممكنة وقابلة للتصديق؟.

حصرت اللغة الفرنسية الجزائر المستقلة في حيز ضيق، فلم تنفتح الجزائر على العالم فعليا، خاصة على العالم الأنجلوفوني، والذي أصبح يمتلك شعلة العالم الحديث. الكل يعلم بأن الفرنسية لا تمتلك الآن مكانة علمية مرموقة. حيث أصبحت الأبحاث العلمية يصدر معظمها باللغة الإنجليزية. ولكن حتى وإن كانت الفرنسية لغة العلم في هذا الوقت، فإن هذا لا يغير شيئا، فالمبتغى ليس التطور في حد ذاته وحسب، بل التطور الحقيقي هو الذي يكون في إطار مكونات حضارتنا، ومرجعياتنا الثقافية والاجتماعية، وهذا هو مفهوم الاستقلال الحقيقي.

وزير الداخلية: الدولة ستتكفل بجميع المباني المتضررة

كثير من المدافعين عن “غنيمة الحرب” تلك، حجتهم أن التقدم والتخلف لا يتعلق باللغة، وبأن اللغة “وسيلة تواصل فحسب” وكأنها أداة بلا روح، ولكنهم يتناسون بأن اللغة تُحدد الإطار الذي يتطور فيه المجتمع، فالعقل لا يمكنه أن يفكر دون لغة، واللغة التي يفكر بها الإنسان هي التي تؤطر أفكاره، وهذا ما يسمى بالعقل المجتمعي، فاللغة التي تسود المجتمع، والتي يرى فيها بأنها هي الحضارة، هي التي تشكل هذا المجتمع، لا شعوريا وتحدد مستقبله.

ليست حربا عسكرية فحسب

حرب الاستقلال لم تكن حرب فدائيين في شوارع المدن، وجنودا في الجبال فقط، بل سبق كل ذلك حربا ثقافية، الجهود التي سبقت الثورة في المدارس القرآنية، وجهود جمعية العلماء المسلمين للحفاظ على مكانة الدين واللغة العربية في المجتمع، هي التي أطرت ثورة التحرير، ومشروع المجتمع الذي أريد له أن يكون.

الحرب هنا كانت على نفوذ اللغة الفرنسية في المجتمع، والهوية الثقافية التي تمثلها، إذ لا يمكن تجاهل إرث هذه اللغة السلبي على نفسية المجتمع وانتمائه، والتعامل مع ما بقي منها، كأنه انتصار في معركة العلم كما يدعي دعاة هذا النهج الغريب.

تعلم لغة أخرى، والتفتح على ثقافات الآخرين أمر محمود لا شك في ذلك، ولكن الحمد يجب أن يكون في إطار ذي سيادة، يضع لغة الأمة في مكانتها الحقيقية. ولعل أفضل مثال في كيفية التعامل مع لغة المستعمر هو ما ورد عن الروائي الراحل “مالك حداد”، أتقن الفرنسية وكتب كل كتبه بها. يقول حداد: “أكتب باللغة الفرنسية لأقول للفرنسيين إنني لست فرنسيا” وحينما استقلت الجزائر قرر الرجل التوقف عن الكتابة، واصفا اللغة الفرنسية بـ”المنفى”. وبعدها بدأ يترجم كتبه للعربية بدلا من الصمت. تلك القطيعة الجريئة هي ما كانت تحتاجه الجزائر عشية الاستقلال، والفرصة ما زالت متاحة لذلك.

تصحيح المسار

منذ الحرب العالمية الثانية واللغة الإنجليزية تهيمن على مجالات العلوم، وتلك الهيمنة في تصاعد مستمر منذ ذلك الوقت. “سكوبس” هي أكبر قاعدة بيانات للأبحاث العلمية المنشورة في المجلات الأكاديمية المحكمة، 80% من الأبحاث الموجودة هناك كتبت بالإنجليزية حسب مجلة “ذا اتلانتيك”، يبقى هذا مؤشرا لنفوذ اللغة الإنجليزية في كل مجالات الأبحاث. وبالتأكيد أن المساهمين ليسوا فقط من الدول الأنجلوفونية، بل من كل دول العالم.

الجزائر تأخرت كثيرا في هذا الجانب، ولكن الوقت لا يزال متاحا لتصحيح المسار. التعامل مع الإنجليزية بجدية في نظامنا التعليمي سيفتح لنا أبواب هذا الخزان الهائل من الأبحاث والمعلومات، لنطور ذاتنا بأفضل الأدوات المتاحة والتوقف عن الاعتماد على الفرنسية التي لم تعد تسمن أو تغني من جوع علمي. ولكن هذا لا يعني أن نجعل من الإنجليزية “منفانا” الجديد على حساب شخصيتنا الثقافية وانتمائنا، فنحوم في دائرة مغلقة بنفس المخلفات والنتائج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.