الرئيسية » تحقيقات وتقارير » المخرج السوري جود سعيد: “قراءة القسوة عبر العبث الساخر هي طريقة عيش ولا وجود لحرية مطلقة”

المخرج السوري جود سعيد: “قراءة القسوة عبر العبث الساخر هي طريقة عيش ولا وجود لحرية مطلقة”

يرى المخرج السوري جود سعيد في هذا الحوار مع  أوراس أنه يحب مزج الأنواع في الفن، وهي طريقة لتمرير ما يريد قوله سواء على مستوى الجمهور أو بالعلاقة مع الآليات الرقابية، مضيفا أنه يشكّ في أن يمتلك فنان ما حريةً مطلقة، ولاسيما في الفنون الجمعية التي تتطلب تمويلاً كالسينما.

مخرج سوري يحمل هاجس واقعه السوري المؤلم ولكن السخرية في أفلامك ربما قاسم مشترك بينها، هل هو هروب من الواقع المؤلم أم خيار فني بحت لجود سعيد؟

هناك شيء ما في هذا يشبهني أنا كجود في الحياة، أنا من أولئك الذين يعتقدون أن قراءة القسوة عبر العبث الساخر هي طريقة عيش.

من هنا أحب مزج الأنواع في الفن ولست من ابتكر ذلك فالأمثلة في السينما كثيرة، وإن أردنا إسقاط ذلك على الواقع السوري، فأراها طريقة لتمرير ما نريد قوله سواء على مستوى الجمهور أو بالعلاقة مع الآليات الرقابية.

هل يملك جود سعود كل الحرية في قول ما يريد، عبر سينماه طبعا؟

أشكّ في أن يمتلك فنان ما حريةً مطلقة ولاسيما في الفنون الجمعية التي تتطلب تمويلاً كالسينما، ومعيار السخرية هنا نسبي يرتفع وينخفض بحسب الظرف الإنتاجي ومصدره وطبيعته الرقابية.

إذا أردنا أن نأخذ السينما السورية التي تصنع في الداخل السوري والتي تموّل المؤسسات الثقافية الرسمية أغلبها فسنجد أن المحددات الرقابية كثيرة، مما يجعلك تصنع فيلمك ضمن حقل من الألغام وتصير حريتك هنا في كيفية إنجاز الفيلم وأنت تقبل المساومات لتضمن قدرتك على قول الحد الأدنى مما تريد.

هل تنزعج من وصفك بالمخرج المدلل خاصة مع من يختلف مع السينما التي تصنعها؟

كنت أنزعج، أما اليوم فلا، فكل التوصيفات ستذهب وتبقى الأفلام، بالمناسبة أوصف في الداخل بنعوت أسوأ ممن لا يختلفون مع مضمون ما أصنع، ولكني أعرف من أنا وماذا أفعل وعلى أي قيم نشأت، لذا أمضي نحو ذلك النور في آخر الطريق لأعيش فيلمي لنهايته ولا ألتفت لمن غادر الصالة.

إلى أي مدى يمكن للسينما أن تقول الحقيقة السورية وتنقل ذلك الوجع؟

صدقاً لست أعرف، من يمتلك الحقيقة كاملة؟! كل منا يمتلك حقيقة ما رأى وما عاش، أو حقيقة ما عاش من هم حوله وعليه صدق نقلها والصدق هذا سيصل للناس وسيحارب كي يبقى، وأعتقد أن تناول الحالات الإنسانية من أي طرف كان هو صدق، وسيبقى كشهادة من فن عن هذه الحرب.

ما هي همومك السينمائية حاليا،  وهل ترغب في خوض تجربة مختلفة عن طروحاتك السينمائية السابقة؟

أنا أحد المهوسيين بالصورة وقدرتها التعبيرية وأعشق السرد بها كعنصر أول، ولكنّنا نعيش في مجتمعات سمعية عموماً، ولكي تصل للناس عليك أن تنزح أكثر باتجاه الحكاية، أحاول أن أقيم التوازن بين الاثنين كي أجد فرصة لصنع الفيلم، ولا أعتقد أن الأطروحات فنياً كانت متشابهة، حتى لو غلبت ثيمة الحرب السورية على أفلامي ما عدا الفيلمين الأولين، فالطرح كان يبحث في كل مرة عن جانب مختلف من جوانب هذه الحرب وتأثيراتها.

وللشق الأخير من سؤالك، أود أن أصنع قصة حبّ مجنونة ولكن لم أجد لها منتجاً بعد.

فيلمك ما قبل الأخير “مسافرو الحرب” نال نجاحا كبيرا وجوائز عديدة وهو إنتاج خاص منحك مساحة حرية أكبر في التعبير عن أفكارك، أما فيلمك الأخير “نجمة الصبح” نال انتقادات خاصة من ناحية الطرح والسخرية الزائدة عن اللزوم، كيف تعلق على هذا الأمر؟

هذا دليل أن الطروحات والمعالجة في الأفلام مختلفة، صحيح أن انقسام نقدي حصل في نجمة الصبح، وهذا لا يزعجني فما من أحد يتناول سينمائية الفيلم ولكن الحديث كان عن خلط الأنواع وطريقة تناول الشخصيات ومعالجتها، هي تجربة وأنا مؤمن أن تراكم هذه التجارب يغني السينما التي أصنع.

من البديهي أن مساحة الحرية في مشروعي مع القطاع الخاص كانت أوسع وهذا يحسب لشركة الأمير اللبنانية.

الملاحظ للسيرة الذاتية لجود سعيد يلاحظ أنه مخرج نشيط وتقريبا حاضر كل سنة بفيلم، هذا الأمر يراه البعض سلبيا وأن المخرج عليه أن يأخذ وقتا كافيا في الكتابة، ما رأيك في الموضوع؟  

منذ العام 2008 يوم شرعت بتصوير فيلمي الطويل الأول أنجزت خلال اثني عشر عاماً ثمانية أفلام بمعدل فيلم كل عام ونصف وأعتقد أن ذلك طبيعي، إذا توفر الانتاج وهذا التراكم نجده عند عديد المخرجين في العالم، ربما سيأتي الوقت مع التقدم في السن الذي سيجعلني أطيل الزمن بين الفيلم والآخر ولكن اليوم لدي الكثير لأقوله وسأفعل طالما استطعت ذلك. 

عادة ما يوصف المثقف أو الفنان الذي اعتاد على الاشتغال مع دوائر وزارة الثقافة في كل البلدان العربية تقريبا بأنه مثقف أو فنان السلطة، فهل تنزعج من هكذا أوصاف؟

المتاح في سورية حالياً هو الانتاج عبر القنوات الرسمية، فالقطاع الخاص السوري لا يستثمر في السينما، ولا زال يبحث عن إحياء الميت وهو الدراما السورية التي أتاحت لهذا القطاع ربحاً سريعاً على مدى عقدين من الزمن.

كل السينمائيين السوريين منذ ستينيات القرن الماضي عملوا مع المؤسسة العامة للسينما،  ولكننا لم نسمع بنعت مثقف السلطة إلا مؤخراً، أعتقد أنه من الحماقة أن أمالئ أي سلطة كانت ولكن أرى طرق النقد بعين مغايرة.

ما هو أقرب عمل إليك من بين منجزاتك الفيلمية؟

يبقى لفيلمي الأول مرة أخرى مكانة خاصة في قلبي فهو من فتح لي باب السينما ووضعني على أول الدرب.

تشتغل كثيرا عبر أفلامك مع الممثل أحمد الأحمد، ماذا وجدت في هذا الفنان؟

عملت مع عديد الممثلين وكررت التجربة معهم كأيمن زيدان والمخرج عبد اللطيف عبد الحميد وحسين عباس مع حفظ الألقاب ولكن تمت الاضاءة على التجربة مع محمد ربما لقرب العمر بيننا وللجدل الذي أثاره مطر حمص.

عموماً أرى في محمد موهبة عظيمة وممثلاً قادراً على التلوّن وأداء أدوار مختلفة ناهيك عن الصداقة التي تجمعنا والتي تجعل محمد يجنّد نفسه لمشروعنا الفيلمي مضحياً بعروض كثيرة أكثر منفعة له مادياً فنحن في سورية نتقاضى قروشاً عندما نصنع الافلام.

وهنا لابد أيضاً أن أحيي الكبير أيمن زيدان الذي أعتبر أنه شريك حقيقي في كل فيلم ننجزه وتراه يفرّغ نفسه تماماً للمشروع، أحب الممثل الشريك وهذا ما أراه في الأستاذ أيمن والصديق محمد.