في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لم تعد قوّة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو قدرات عسكرية، بل أصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على امتلاك المعرفة والتحكّم في التكنولوجيا وإنتاج الحلول الرقمية.
فالقرن الحادي والعشرون هو قرن الذّكاء الاصطناعي والبيانات والسّيادة الرّقمية، والدّول التي تتأخّر عن هذا التحوّل قد تجد نفسها خارج معادلة التّأثير الحضاري والاقتصادي؛ وفي هذا السّياق يبرز مشروع منصة (7.77) الرّقمية، الذي أطلقته وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، باعتباره خطوة استراتيجية تتجاوز مجرّد التكوين التقني إلى مشروع وطني يراد له أن يؤسّس لجزائر رقمية جديدة.
ومن اللاّفت أنّ اسم المشروع نفسه يحمل دلالات رمزية عميقة تكشف فلسفته العامة؛ فتسمية (7.77) تحيل مباشرة إلى فكرة التكوين الرّقمي المفتوح لكل الجزائريين من سن السّابعة إلى السّابعة والسّبعين، بما يعني أنّ التحوّل الرّقمي ليس مشروع نخبة جامعية أو فئة تقنية محدودة، بل مشروع مجتمع كامل.
كما أنّ الرقم سبعة يحمل في الوعي الإنساني رمزية مرتبطة بالكمال والتوازن والانتقال إلى مرحلة جديدة، وهو ما يمنح المشروع بعدًا حضاريًا يتجاوز البعد التقني البحت؛ فالرّسالة الضّمنية هنا واضحة: الجزائر تريد أن تجعل الثّقافة الرّقمية حقًا جماعيًا وأداة لبناء المستقبل.
إنّ القراءة السّطحية للمشروع قد تختزله في كونه منصّة لتدريب الشباب على الذّكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا الحديثة، غير أنّ القراءة العميقة تكشف أنّ الرّهان الحقيقي يتمثّل في بناء (السّيادة الرقمية) الجزائرية؛ فالدّولة التي لا تمتلك المعرفة الرّقمية ولا تنتج التكنولوجيا تبقى رهينة لما تنتجه القوى الكبرى، سواء في الاقتصاد أو الإعلام أو الأمن أو حتّى في تشكيل الوعي الجمعي.
ومن هنا يمكن فهم هذا المشروع باعتباره محاولة للدخول المبكّر إلى معركة المستقبل، أي معركة التحكم في أدوات العصر الرّقمي بدل الاكتفاء باستهلاكها.
لقد أدركت الدّول المتقدّمة منذ سنوات أنّ الذّكاء الاصطناعي ليس مجرّد تقنية جديدة، بل هو ثورة حضارية شاملة ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وسوق العمل وأنماط الحياة؛ فالبيانات أصبحت موردًا استراتيجيًا لا يقلّ أهمية عن النّفط، والخوارزميات باتت تؤثّر في السّياسة والاقتصاد والأمن والثقافة.
لذلك فإنّ الدّول التي تمتلك الكفاءات الرّقمية هي التي ستقود العالم اقتصاديًا وتكنولوجيًا خلال العقود القادمة، أمّا الدول التي تبقى خارج هذا التحوّل فستتحوّل تدريجيًا إلى مجرّد أسواق استهلاك للتكنولوجيا الأجنبية.
من هذا المنطلق، تبدو مبادرة (7.77) تعبيرًا عن وعي متزايد داخل الجزائر بأنّ معركة التّنمية لم تعد مرتبطة فقط بالمصانع التقليدية أو بالمحروقات، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالاستثمار في الإنسان وفي المعرفة الرقمية.
فالمشروع يقوم على فكرة جوهرية تتمثل في تكوين جيل جديد قادر على فهم التكنولوجيا وصناعة الحلول الرّقمية بدل الاكتفاء باستخدام التطبيقات الجاهزة القادمة من الخارج؛ وهذا التحوّل في الرؤية يحمل دلالة مهمّة، لأنّه ينقل التّفكير من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج، ومن ثقافة الاتّكال إلى ثقافة الابتكار.
ولعلّ أكثر ما يمنح المشروع بعده الاستراتيجي هو أنّه يستهدف مختلف الفئات العمرية، انطلاقًا من فلسفة (من 7 إلى 77 سنة)، بما يعني أنّ الرّقمنة ليست قضية نخبوية تخصّ الجامعات والخبراء فقط، بل هي مشروع مجتمع كامل، فالدّول التي تنجح في العصر الرّقمي هي تلك التي تجعل الثّقافة الرّقمية جزءًا من الحياة اليومية لمواطنيها، بحيث يصبح التعامل مع التكنولوجيا مهارة أساسية مثل القراءة والكتابة.
أمّا بالنسبة للشّباب الجزائري، فإنّ المشروع يحمل أبعادًا تتجاوز مجرّد التكوين الأكاديمي، فالاقتصاد العالمي اليوم يشهد تحوّلات عميقة أدّت إلى ظهور وظائف جديدة مرتبطة بتحليل البيانات والبرمجة والأمن السيبراني والذّكاء الاصطناعي، مقابل تراجع تدريجي للعديد من الوظائف التقليدية؛ ولذلك فإنّ تمكين الشّباب من هذه المهارات يمنحهم فرصة الاندماج في اقتصاد المستقبل بدل الوقوع في دائرة البطالة أو التهميش.
كما أنّ المشروع قد يفتح الباب أمام نشوء بيئة حقيقية للمؤسّسات النّاشئة والابتكار الرّقمي، فكلّ شاب يتقن أدوات التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يتحوّل إلى صاحب مشروع أو مطوّر تطبيقات أو مؤسّس شركة ناشئة قادرة على خلق الثروة ومناصب الشّغل، وهذا ما يجعل الاقتصاد الرّقمي أحد أهم البدائل المطروحة لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على المحروقات، خاصّة في ظل التحوّلات العالمية المتسارعة.
ومن زاوية أخرى، فإنّ مشروع (7.77) يرتبط بشكل مباشر بمفهوم الأمن القومي الرقمي، فالعالم اليوم يعيش في ظلّ حروب سيبرانية وصراعات معلوماتية معقّدة، حيث يمكن لهجوم إلكتروني واحد أن يشل مؤسّسات حسّاسة أو يخترق بنوكًا أو يعطّل بنية تحتية كاملة؛ لذلك فإنّ تكوين كفاءات وطنية في مجالات الأمن السيبراني والذّكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الدّولة والمجتمع.
ولا يمكن فصل هذا التوجّه عن الهدف الأعمق للمشروع، وهو ترسيخ السّيادة الرّقمية الجزائرية. فالسّيادة في العصر الحديث لم تعد مرتبطة فقط بحماية الحدود الجغرافية، بل أصبحت تشمل حماية البيانات والتحكّم في البنية التكنولوجية وامتلاك المعرفة الرّقمية، والدّولة التي تعتمد كلّيًا على البرمجيات الأجنبية والخبرات الخارجية تبقى عرضة للتبعيّة التّقنية والاقتصادية، أمّا الدّولة التي تستثمر في تكوين شبابها وتمتلك كفاءاتها المحلية فإنّها تؤسّس تدريجيًا لاستقلالها الرّقمي وقدرتها على المنافسة.
غير أنّ نجاح هذا المشروع يبقى مرتبطًا بجملة من الشّروط الأساسية، فالتحدّي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المنصّات أو تنظيم الدّورات التكوينية فحسب، بل في بناء منظومة متكاملة قادرة على الاستمرار والتطور، إذ لا معنى لتكوين آلاف الشّباب إذا لم تتوفّر بيئة اقتصادية تستوعب كفاءاتهم وتفتح أمامهم آفاق الإبداع والعمل، كما أنّ جودة التكوين تبقى عنصرًا حاسمًا، لأنّ العالم الرّقمي يقوم على المنافسة العالية والمعايير الدقيقة، وليس على الشهادات الشّكلية أو التكوين السّطحي.
إضافة إلى ذلك، فإنّ التحوّل نحو السّيادة الرّقمية يتطلّب تطوير البنية التحتيّة التكنولوجية وتحسين خدمات الإنترنت وربط الجامعات ومراكز البحث بمحيطها الاقتصادي؛ فالابتكار لا يولد في الفراغ، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة تجمع بين التّكوين والبحث والاستثمار والدّعم المؤسّساتي.
ورغم هذه التحدّيات، فإنّ الأهمية الحقيقية لمشروع (7.77) تكمن في رمزيته الحضارية؛ فهو يعكس رغبة الجزائر في الدخول إلى العصر الرقمي بعقلية جديدة تقوم على الإيمان بالعلم والمعرفة والكفاءة، كما أنّه يحمل رسالة واضحة مفادها أنّ مستقبل الأمم لن يُبنى بالاعتماد على الثّروات الطبيعية وحدها، بل ببناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا.
وفي النّهاية، يمكن القول إنّ مشروع (7.77) ليس مجرّد برنامج تكويني عابر، بل هو محاولة لوضع أسس السّيادة الرّقمية الجزائرية وبناء جيل يمتلك أدوات المستقبل، وإذا نجحت الجزائر في تحويل هذا المشروع إلى سياسة وطنية مستدامة، فإنّها قد تتمكّن خلال السّنوات القادمة من خلق اقتصاد معرفي حقيقي، وتعزيز استقلالها التكنولوجي، وتمكين شبابها من لعب دور فاعل في العالم الرّقمي الجديد؛ فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة التّنمية الاقتصادية، بل هي أيضًا معركة امتلاك المعرفة، ومن يمتلك المعرفة يمتلك المستقبل.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين