الرئيسية » مقالات الرأي » حرية العبادة بين الانفتاح والتقييد

حرية العبادة بين الانفتاح والتقييد

حرية العبادة بين الانفتاح والتقييد

قضية “حرية العبادة” كانت أيضا محل جدل في الدستور، ولا تقل أهيمتها عن موضوع اللغة، وبكل تأكيد الكتابة حول الموضوع تشبه السير على حقل الألغام، لأنه على قدر كبير من الحساسية كونه يتصل ببعد محوري في حياة الانسان ككل ألا وهو الدين، وبحكم طبيعة الموضوع فإن الاحاطة به تقتضي مناقشته من زوايا فقهية وأمنية وقانونية وسياسية، والسطور التالية ستكون من خلال الزاوية الأخيرة.

نصت المادة 51 من مسودة الدستور المعدل على عدم المساس بحرية المعتقد، وجاءت فيها اضافتين الأولى تشير إلى أن حرية ممارسة العبادات مضمونة. وتمارس بدون تمييز في إطار احترام القانون. والثانية تؤكد ضمان الدولة حماية أماكن العبادة وحيادها.

توجس الكثيرون من هاتين الاضافتين واعتبروها مدخلا لفسح المجال لنشر مختلف العقائد في المجتمع الجزائري، خاصة أنه لا يخفى عن عبارة “حيادها” المدلول العلماني الذي يحاول أن يجعل من التدين مسألة شخصية خاصة.

وهو يتماهى مع السياق القانوني الدولي، وهذا يتعارض جزئيا على الأقل مع المادة الثانية من مسودة الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة، والمادة التاسعة التي تنص على أن الشعب يختار لنفسه مؤسسات من غاياتها الحفاظ على الهوية والوحدة الوطنيتين ودعمهما.

انطلاقا من هذا يدعوا هذا الرأي إلى مراجعة هذه المواد واضافة مواد صريحة تمنع منعا باتا وتوجه أشد العقوبات لكل ما من شأنه أن يهدد هوية المجتمع الجزائري وفي مقدمتها دينه، والذي يجب أن تتجسد أحاكمه فعليا في مختلف مؤسسات الدولة، ونصوصها، ولا يحصر في أطر ضيقة جدا تمنع حتى المساجد من القيام بدور فعال في حماية الدين بحجة أن ذلك خارج صلاحياتها، وأن الدستور ينص على حرية العبادة.

هذه المخاوف مشروعة ويمكن مراجعة مختلف المواد التي لها صلة بالموضوع حتى يزول اللبس في جزء كبير منه إذا لم يكن كليا، ولكن من الناحية السياسية كما سبق الإشارة فإن مراعاة اتجاهات القانون الدولي والتعامل معها بمرونة أفضل من الدخول معها في موجهة تجعل منها القوى الدولية وسيلة للضغط على الجزائر من أجل تحقيق مصالح ليس لها علاقة بالحريات سواء الدينية أو غير الدينية، فالتجارب في مختلف البلدان أثبتت أن تلك الشعارات لا أساس لها من الصحة.

لذلك فإن النصوص الصريحة والواضحة لا تناسب الظروف الحالية، ومن الأفضل في هذه الحالة صياغة نصوص تتسم بقدر كبير من “الضبابية” لتحقيق المصالح الوطنية دون منح القوى الأجنبية أي فرصة.

تأسيسا على ذلك يتوجب هنا التفريق بين حرية ممارسة العبادة وبين الدعوة لدين أو عقيدة ما والعمل على نشرها، ومن هذا المنطلق فإن مثل هذه الممارسات يمكن أن تدرج ضمن عبارة “في إطار احترام القانون” الواردة في الفقرة الثانية من المادة 51 من مسودة الدستور، ويمكن أن تكيف كل الممارسات التي تهدد الدين الإسلامي تحت هذه الفقرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.